نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة، أعجب مما تقدم وأنفس، ثلث به وأخره ؛ لأنه أقل الثلاثة عندهم، وغير الأسلوب وجعله من وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن، فقال تعالى :﴿وأوحى ربك﴾، أي : المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة، وغيرها من الأماكن، وبغير ذلك من المنافع، الدال على الفعل بالاختيار، وتمام الاقتدار، ﴿إلى النحل﴾، أي : بالإلهام ؛ قال الرازي في اللوامع : فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فبعضها بالتسخير المجرد : كالجمادات، وبعضها بالإلهام والتسخير : كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون، وهي : دويبة تتخذ بيتاً من دقاق العيدان، فتدخله وتموت - والعنكبوت، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد : كالملائكة، وبعضها بكل ذلك، والفكر والتمييز، والأعمال المختلفة المبنية على الفكر : كالإنسان.
ولما كان في الإيحاء معنى القول، أتى ب " أن " المفسرة، فقال تعالى :﴿أن اتخذي﴾، أي : افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ ﴿من الجبال بيوتاً﴾، أي : بيوت ! ما أعجبها ! ﴿ومن الشجر﴾، أي : الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحاري، ﴿ومما يعرشون﴾، أي : يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها، وبدأ بالبيوت ؛ لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة، وبداعة الشكل، وبراعة الإحكام، وتمام التناسب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى