غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿لا جرم﴾، في المد مثل :﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المشددة : يزيد. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المخففة : نافع وقتيبة. الباقون : بفتحها مخففة. ﴿نسقيكم﴾، بفتح النون : نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. الآخرون بضمها.
الوقوف :﴿مسمى﴾، ج للظرف مع الفاء، ﴿ولا يستقدمون﴾ ٥ ﴿الحسنى﴾ ط ﴿وقيل علي﴾ " لا " ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. ﴿مفرطون﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿فيه﴾ لا للعطف على موضع ﴿لتبين﴾، تقديره : إلا تبياناً وهدى. ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿لعبرة﴾ ط ؛ لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿للشاربين﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿يعرشون﴾ ٥ ج للعطف ﴿ذللاً﴾ ط للعدول ﴿للناس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥.
ومن أعجب أحوال الحيوان : حال النحل، المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة، وفي الخروج من البطن، فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً :﴿وأوحى ربك﴾، يا محمد أو يا إنسان إلى النحل، أي : ألهمها وعلمها، على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها، أن يطلق عليه لفظ الإيحاء، وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات، التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات، فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة. فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب. ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً، هو أعظم جثة من الباقين، وهم يخدمونه، ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها، ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها. وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تخفى، والغرض : أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة، الدالة على الذكاء والكياسة، حالة شبيهة بالوحي، بمعنى : الإلهام. قال الزجاج : يجوز أن يقال : سميت نحلاً ؛ لأنه تعالى نحل الناس العسل بواسطتها، وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز، ولذلك قال تعالى :﴿أن اتخذي﴾، وهي " أن "، المفسرة ؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول. ومعنى :" من "، في قوله :﴿من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون﴾، أي : يبنون، ويرفعون البعضية ؛ لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل، وكل شجر ؛ وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها، وتليق بها، وكثيراً ما يتعهدها الناس، وتصلح أحوالها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ولو يؤاخذ الله﴾، النفوس الناسية، ﴿بما ظلمت﴾، على القلوب والأرواح، ﴿ما ترك على﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية. ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم، وهو : إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك. ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾، أي : يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم، وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة. والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن، فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم، ﴿إن في ذلك لآية لقوم يسمعون﴾ كلام الله من الله، ﴿وإن لكم في الأنعام﴾، النفوس، ﴿لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث﴾، الخاطر الشيطاني، ﴿ودم﴾ الخاطر النفساني، ﴿لبناً خالصاً﴾، من الإلهام الرباني، ﴿سائغاً للشاربين﴾، جائزاً لأهل هذا الشرب، ﴿ومن ثمرات﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات، ﴿تتخذون منه سكراً﴾، هو : ما يجعل منها شرب النفس، فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح، فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب :
﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾، إشارة إلى حال السالك السائر، ﴿أن اتخذي من الجبال بيوتاً﴾، أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله. كان رسول الله ﷺ يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولابد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث. وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً، ومن شجر القلوب، ومما يعرشون من الأسرار، ﴿ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك﴾، نظير قوله :﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ [المؤمنون: ٥١]، فثمرات البدن : الأعمال الصالحات. وثمرات النفوس : الرياضيات، ومخالفات الهوى. وثمرات القلوب : ترك الدنيا، والتوجه إلى المولى. وثمرات الأسرار : شواهد الحق، والتطلع على الغيوب، والتقرب إلى الله. وهذه كلها أغذية نحل الأرواح، فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته، فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ، مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق، ﴿فيه شفاء﴾، للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله، ﴿والله خلقكم﴾، أخرجكم من العدم إلى الوجود، ﴿ثم يتوفاكم﴾، عن الوجود المجازي، ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾، وهو : مقام الفناء في الله، ﴿لكيلا يعلم﴾، بعد فناء علمه شيئاً يعلمه، بل يعلم بربه الأشياء كما هي، والله أعلم بالصواب.
الوقوف :﴿مسمى﴾، ج للظرف مع الفاء، ﴿ولا يستقدمون﴾ ٥ ﴿الحسنى﴾ ط ﴿وقيل علي﴾ " لا " ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. ﴿مفرطون﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿فيه﴾ لا للعطف على موضع ﴿لتبين﴾، تقديره : إلا تبياناً وهدى. ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿لعبرة﴾ ط ؛ لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿للشاربين﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿يعرشون﴾ ٥ ج للعطف ﴿ذللاً﴾ ط للعدول ﴿للناس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥.
ومن أعجب أحوال الحيوان : حال النحل، المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة، وفي الخروج من البطن، فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً :﴿وأوحى ربك﴾، يا محمد أو يا إنسان إلى النحل، أي : ألهمها وعلمها، على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها، أن يطلق عليه لفظ الإيحاء، وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات، التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات، فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة. فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب. ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً، هو أعظم جثة من الباقين، وهم يخدمونه، ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها، ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها. وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تخفى، والغرض : أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة، الدالة على الذكاء والكياسة، حالة شبيهة بالوحي، بمعنى : الإلهام. قال الزجاج : يجوز أن يقال : سميت نحلاً ؛ لأنه تعالى نحل الناس العسل بواسطتها، وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز، ولذلك قال تعالى :﴿أن اتخذي﴾، وهي " أن "، المفسرة ؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول. ومعنى :" من "، في قوله :﴿من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون﴾، أي : يبنون، ويرفعون البعضية ؛ لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل، وكل شجر ؛ وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها، وتليق بها، وكثيراً ما يتعهدها الناس، وتصلح أحوالها.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح، فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب :
| شربت الحب كأساً بعد كأس | فما نفد الشراب وما رويت |