البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ولما ذكر تعالى أمر الساعة وأنها كائنة لا محالة، فكان في ذلك دلالة على النشأة الآخرة.
وتقدم وصفهم بانتفاء العلم، ذكر تعالى النشأة الأولى وهي إخراجهم من بطون أمهاتهم غير عالمين شيئاً، تنبيهاً على وقوع النشأة الآخرة.
ثم ذكر تعالى امتنانه عليهم بجعل الحواس التي هي سبب لإدراك الأشياء والعلم، ولما كانت النشأة الأولى، وجعل ما يعلمون به لهم من أعظم النعم عليهم قال : لعلكم تشكرون، وتقدّم الكلام في أمهات في النساء.
وقرأ حمزة : بكسر الهمزة، والميم هنا وفي النور، والزمر، والنجم، والكسائي بكسر الهمزة فيهن، والأعمش بحذف الهمزة وكسر الميم، وابن أبي ليلى بحذفها وفتح الميم.
قال أبو حاتم : حذف الهمزة رديء، ولكنّ قراءة ابن أبيّ أصوب انتهى.
وإنما كانت أصوب لأنّ كسر الميم إنما هو لاتباعها حركة الهمزة، فإذا كانت الهمزة محذوفة زال الاتباع، بخلاف قراءة ابن أبي ليلى فإنه أقرّ الميم على حركتها.
ولا تعلمون جملة حالية أي : غير عالمين.
وقالوا : لا تعلمون شيئاً مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، أو شيئاً مما قضى عليكم من السعادة أو الشقاوة، أو شيئاً من منافعكم.
والأولى عموم لفظ شيء، ولاسيما في سياق النفي.
وقال وهب : يولد المولود حذراً إلى سبعة أيام لا يدرك راحة ولا ألماً.
ويحتمل وجعل أن يكون معطوفاً على أخرجكم، فيكون واحداً في حيز خبر المبتدأ، ويحتمل أن يكون استئناف إخبار معطوفاً على الجملة الابتدائية كاستئنافها.
والمراد بالسمع والأبصار والأفئدة إحساسها وإدراكها، فعبر عن ذلك بالآية.
وقال أبو عبد الله الرازي ما معناه : إنما جمع الفؤاد جمع قلة، لأنه إنما خلق للمعارف الحقيقية اليقينية، وأكثر الخلق مشغولون بالأفعال البهيمية، فكان فؤادهم ليس بفؤاد، فلذلك ذكر في جمعه جمع القلة انتهى ملخصاً.
وهو قول هذياني، ولولا جلاله قائله وتسطيره في الكتب ما ذكرته، وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشري : أنه من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة والقلة، إذا لم يرد في السماع غيرها كما جاء : شسوع في جمع شسع لا غير، فجرى ذلك المجرى انتهى.
إلا أنّ دعوى الزمخشري أنه لم يجيء في جمع شسع إلا شسع لا غير، ليس بصحيح، بل جاء فيه جمع القلة قالوا : أشساع، فكان ينبغي له أن يقول : غلب شسوع.
وقرأ ابن عامر، وحمزة، وطلحة، والأعمش، وابن هرمز : ألم تروا بتاء الخطاب، وباقي السبعة بالياء.
قال ابن عطية : واختلف عن الحسن، وعيسى الثقفي، وعاصم، وأبي عمرو.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى