زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شركاءهم﴾، يعني : الأصنام التي جعلوها شركاء لله في العبادة، وذلك أن الله يبعث كل معبود من دونه، فيقول المشركون :﴿رَبَّنَا هؤلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا ندعو﴾، أي : نعبد من دونك.
فإن قيل : فهذا معلوم عند الله تعالى، فما فائدة قولهم :" هؤلاء شركاؤنا " ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنهم لما كتموا الشرك في قولهم : والله ما كنا مشركين، عاقبهم الله تعالى بإصمات ألسنتهم، وإنطاق جوارحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم :﴿رَبَّنَا هؤلاء شُرَكَآؤُنَا﴾، أي : قد أقررنا بعد الجحد، وصدقنا بعد الكذب، التماسا للرحمة، وفرارا من الغضب، وكأن هذا القول منهم على وجه الاعتراف بالذنب، لا على وجه إعلام من لا يعلم.
والثاني : أنهم لما عاينوا عظم غضب الله تعالى قالوا : هؤلاء شركاؤنا، تقدير أن يعود عليهم من هذا القول روح، وأن تلزم الأصنام إجرامهم، أو بعض ذنوبهم إذ كانوا يدعون لها العقل والتمييز، فأجابتهم الأصنام بما حسم طمعهم.
قوله تعالى :﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾، أي : أجابوهم، وقالوا لهم :﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال الفراء : ردت عليهم آلهتهم قولهم. وقال أبو عبيدة :﴿فألقوا﴾، أي : قالوا لهم يقال : ألقيت إلى فلان كذا، أي : قلت له. قال العلماء : كذبوهم في عبادتهم إياهم، وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف عابديها، فظهرت فضيحتهم يومئذ إذ عبدوا من لم يعلم بعبادتهم، وذلك كقوله :﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٣].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى