جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَعَلَىَ اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وعلى الله أيها الناس بيان طريق الحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها. والسبيل : هي الطريق، والقصد من الطريق : المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، كما قال الراجز :
*** فصَدّ عَنْ نَهْجِ الطّرِيقِ القاصِدِ ***
وقوله : وَمِنْها جائِرٌ يعني تعالى ذكره : ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوّج، فالقاصد من السبل : الإسلام، والجائر منها : اليهودية والنصرانية وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة. وقيل : ومنها جائر، لأن السبيل يؤنث ويذكر، فأنثت في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول : وإنما قيل :«ومنها » لأن السبيل وإن كان لفظها لفظ واحد فمعناها الجمع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : البيان.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : على الله البيان، أن يبين الهدى والضلالة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن. قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ قال : طريق الحقّ على الله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : على الله البيان، بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ قال : السبيل : طريق الهدى.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ قال إنارتها.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : على الله البيان، يبين الهدى من الضلالة، ويبين السبيل التي تفرّقت عن سبله، ومنها جائر.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَمِنْها جائِرٌ : أي من السبل، سبل الشيطان. وفي قراءة عبد الله بن مسعود :«وَمِنْكُمْ جائِرٌ وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَهَدَاكُمْ أجمَعِينَ ».
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَمِنْها جائِرٌ قال : في حرف ابن مسعود :«وَمِنْكُمْ جائِرٌ ».
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَمِنْها جائِرٌ يعني السبل المتفرّقة.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : وَمِنْها جائِرٌ يقول : الأهواء المختلفة.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَمِنْها جائِرٌ يعني السبل التي تفرّقت عن سبيله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : وَمِنْها جائِرٌ السبل المتفرقة عن سبيله.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَمِنْها جائِرٌ قال : من السبل جائر عن الحقّ قال : قال الله : وَلا تَتّبِعُوا السّبْلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.
وقوله : وَلَوْ شاءَ لَهَدَاكُمْ أجْمَعِينَ يقول : ولو شاء الله للطف بجميعكم أيها الناس بتوفيقه، فكنتم تهتدون وتلزمون قصد السبيل ولا تجورون عنه فتتفرّقون في سبل عن الحقّ جائرة. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَوْ شَاءَ لَهَداكُمْ أجْمَعِينَ قال : لو شاء لهداكم أجمعين لقصد السبيل الذي هو الحقّ. وقرأ : وَلَوْ شاءَ رَبّكَ لآمن مَنْ فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعا. . . الآية، وقرأ : وَلَوْ شِئْنَا لآتينا كُلّ نَفْسٍ هُدَاها. . . الاَية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى