الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾، يعني : فإذا كنت قارئاً للقرآن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
قال محمّد بن جرير، وقال الآخرون : مجازه : فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، أي : الطهارة مقدمة على الصلاة، وقوله :﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، معناها وإذا أردتم تطليق النساء ؛ لأنه محال أن يأمرهم بالتطليق المعين بعد ما مضى التطليق. وأما حكم الآية : فاعلم أن الاستعاذة عند قراءة القرآن مستحبة في الصلاة وغير الصلاة، هذا قول جماعة الفقهاء إلاّ مالكاً، فإنه لا يتعوذ إلاّ في قيام رمضان، واحتج بما روي أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وإنما تأويل هذا الحديث أنه كان يفتتح القراءة في الصلاة بالحمد لله رب العالمين، يدل عليه أن الصلاة تفتتح بالتكبير بلا خلاف على أن الخبر متروك الظاهر.
ويدل على صحة ما قلنا حديث " جبير بن مطعم قال : رأيت رسول الله ﷺ يصلّي فقال : الله أكبر كبيراً والحمد لله وسبحان الله بكرة وأصيلاً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخة ونفثة وهمزة ".
وقال ابن مسعود : نفخة الكبر، ونفثة الشعر، وهمزة المرض، يعني : الجنون، فإذا تقرر هذا، ثبت أن الخبر المتقدم متروك بالظاهر مأخوذ المعنى.
واختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة :
فقال أكثرهم : قبل القراءة، وهو قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور.
وقال أبو هريرة : يتعوذ بعد القراءة، وإليه ذهب داود بن علي.
وقال مالك : في الصلاة التي يتعوذ فيها، وهي قيام رمضان : يتعوذ بعد القراءة واحتج بظاهر الآية، وقد بينّا وجهها، والدليل على أنها قبل القراءة، ماروى أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله ﷺ يقول :" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ثمّ يقرأ، وأما الكلام في محل الاستعاذة في الصلاة، فقد قال الشافعي : يقولها في أول الركعة، وقيل : إن قال حيث يفتتح كل ركعة قبل القراءة، فحسن ما يقرأ به في شيء من الصلاة، كما أمره به في أول ركعة. هذا قول عامة الفقهاء.
وقال ابن سيرين : يتعوذ في كل ركعة قبل القراءة. والصحيح المذهب الأوّل ؛ لأن المروي في الأخبار : أن النبي ﷺ ما كان يتعوّذ إلاّ في الأولى، وأما صفتها وفي الصلاة فهي أن ينظر، فإن كانت صلاة يسرّ فيها بالقراءة أسرّ فيها بالاستعاذة، وإن كانت يجهر فيها بالقراءة.
فقال الشافعي في ( الأم ) : روي أن أبا هريرة أمّ الناس رافعاً صوته : ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، وكان ابن عمر يعوذ في نفسه.
قال الشافعي : فإن شاء جهر بها، وإن شاء أسرّ بها.
قال الثعلبي : والاختيار الإخفاء ؛ ليفرّق بين ما هو قرآن وما هو ليس بقرآن.
فأما لفظة الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ؛ لنص القرآن والخبر المتصل المتسلسل، وهو أني قرآت على الشيخ أبي الفضل محمّد بن أبي جعفر الخزاعي، فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في المواضع كلّها، فأني قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن بن محمّد بالبصرة فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على عبد الله أبي حامد الزنجاني فقلت : أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على أبي عثمان إسماعيل بن إبراهيم الأهوازي فقلت : أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على محمّد بن عبد الله بن بسطام فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على روح بن عبد المؤمن فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على يعقوب الحضرمي فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على سلام بن المنذر، فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عاصم فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد الله بن مسعود فقلت : أعوذ بالسميع العليم، فقال لي : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على رسول الله ﷺ فقلت : أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي :" يا ابن أم عبد قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ ".
قال ابن عجلان : وهكذا علمني أخي أحمد، وقال : هكذا علمني أخي، وقال : هكذا علمني وكيع بن الجراح، وقال : هكذا علمني سفيان الثوري.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى