تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية : ٩٨ وقوله تعالى :﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾، كقوله (١) في آية أخرى :﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ ( الأعراف : ٢٠٠ )، وكقوله (٢) في آية أخرى :﴿قل رب أعوذ بك من همزات الشيطان﴾ ( المؤمنون : ٩٧ )، فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو عند نزغ الشيطان على ما ذكر. لكنه إذا تعوذ من همزاته ونزعاته.
فإن قيل : كيف خص قراءة القرآن بالتعوذ، من دون غيره من الأذكار والعبادات والأعمال الصالحة ؟ قيل : قد يتعوذ منه دون غيره أيضا في غيره من العبادات والأذكار بقولهم :﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، إذ لا يفتتح شيء إلا به. فذلك تعوذهم به، لكن التعوذ في هذا تعوذ بالكناية (٣)، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح، وذلك لأنه (٤) حجة وبرهان وطعن لأعداء في ما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها.
ألا ترى ( أن الشيطان كان يُلَقِّن أوليائه ) (٥) أنه ﴿سحر﴾ ( المائدة : ١١٠ و. . . . ) وأنه ﴿أساطير الأولين﴾ ( الأنعام : ٢٥ و. . . . )، وأنه ﴿إنما يعلمه بشر﴾ ؟ ( النحل : ١٠٣ ) ونحوه، وهو(٦) قوله :﴿إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ ( الأنعام : ١٢١ )، كانوا يطلبون الطعن في القرآن ؛ لأنه حجة وبرهان، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار. فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه في ما هو حجة بالتصريح، وفي غيره بالكناية (٧)، والله أعلم.
ثم في هذه الآية وفي غيرها من قوله :﴿إذ قمتم إلى الصلاة فاغتسلوا وجوهكم﴾ ( المائدة : ٦ )، وقوله :﴿فإذا قرأت القرآن فاستعيذ بالله من الشيطان الرجيم﴾، لم يفهم أهلها منها ( التعوذ ) (٨) على ظاهر المُخْرَج، ولكن فهموا على المُخْرَج الحكمة ؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد الفراغ (٩) من القراءة.
وكذلك يُفهَم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه. ثم ( لم ) (١٠) يَفهموا في هذا ونحو هذا، ولكن فهموا إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله. وكذلك فهموا من قوله :﴿إذا قمتم﴾، أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فاغتسلوا كذا لم يفهموا كل قيام، إنما فهموا قياما دون قيام، أي : إذا ( أردتم )(١١) القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون، وفَهِمُوا من قوله :﴿إذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ ( الجمعة : ١٠ )، وفهموا من قوله :﴿إذا طعمتم فانتشروا﴾ ( الأحزاب : ٥٣ )
وكذلك فهو من قوله :﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ ( البقرة : ٢٠٠ ) الفراغ منها. دَلَّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج، ولكن على مخرج الحكمة والمعنى.
وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده.
١ في الأصل وم: و قال..
٢ في الأصل وم: و قال..
٣ في الأصل وم: بكناية..
٤ في الأصل وم: أنه..
٥ في الأصل وم: أنه كان يلقنهم أعني الشيطان وأوليائه..
٦ في الأصل وم: و..
٧ في الأصل وم: بكناية..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: فراغه..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى