لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾، الخطاب فيه للنبي ﷺ ويدخل فيه غيره من أمته ؛ لأن النبي ﷺ لما كان غير محتاج إلى الاستعاذة، وقد أمر بها فغيره أولى بذلك، ولما كان الشيطان ساعياً في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، وكانت الاستعاذة بالله مانعة من ذلك، فلهذا السبب أمر الله رسوله ﷺ والمؤمنين بالاستعاذة عند القراءة، حتى تكون مصونة من وسواس الشيطان. عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة، قال عمر : ولا أدري أي صلاة هي. قال : الله أكبر كبيراً ثلاثاً، والحمد لله كثيراً ثلاثاً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخته ونفثته وهمزته. قال : نفخته الكبر، ونفثته السحر، وهمزته المونة. أخرجه أبو داود. المونة : الجنون، والفاء في قوله : فاستعذ بالله، للتعقيب. فظاهر لفظ الآية يدل على أن الاستعاذة بعد القراءة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول أبي هريرة، وإليه ذهب مالك وجماعة وداود الظاهري. قالوا : لأن قارئ القرآن يستحق ثواباً عظيماً، وربما حصلت الوساوس في قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب أم لا ؟ فإذا استعاذ بعد القراءة اندفعت تلك الوساوس، وبقي الثواب مخلصاً، فأما مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار، فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، قالوا : ومعنى الآية : إذا أردت أن تقرأ القرآن، فاستعذ بالله، ومثله قوله سبحانه وتعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ الخ، ومثله من الكلام إذا أردت أن تأكل فقل : بسم الله، وإذا أردت أن تسافر فتأهب، وأيضاً : فإن الوسوسة إنما تحصل في أثناء القراءة، فتقديم الاستعاذة على القراءة، لتذهب الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها، ومذهب عطاء أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أن الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أن الاستعاذة سنة في الصلاة وغيرها، وقد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها في أول سورة الفاتحة، والاستعاذة : الاعتصام بالله والالتجاء إليه من شر الشيطان ووسوسته. والمراد من الشيطان إبليس. وقيل : هو اسم جنس يطلق على المردة من الشياطين ؛ لأن لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم بإقدار الله إياهم على ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى