فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزّى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ لما قصّ الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين، موبخاً لهم ومقرّعاً ﴿أَفَرَءيْتُمُ﴾ أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها ؟ وهل أوحت إليكم شيئًا، كما أوحى الله إلى محمد، أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع ؟ ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب، وعظم اعتقادهم فيها. قال الواحدي وغيره : وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا : من الله اللات، ومن العزيز العزّى، وهي تأنيث الأعزّ بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء : إذا قدّره. قرأ الجمهور ﴿اللات﴾ بتخفيف التاء، فقيل : هو مأخوذ من اسم الله سبحانه كما تقدّم، وقيل : أصله : لات يليت، فالتاء أصلية، وقيل : هي زائدة، وأصله لوى يلوي، لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتوون عليها ويطوفون بها. واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء ؟ فوقف عليها الجمهور بالتاء، ووقف عليها الكسائي بالهاء، واختار الزجاج، والفراء الوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف فإنها تكتب بالتاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء وأبو صالح وحميد :( اللاتَّ ) بتشديد التاء، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير، فقيل : هو اسم رجل كان يلتّ السويق، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل. قال مجاهد : كان رجلاً في رأس جبل يتخذ من لبنها وسمنها حيساً ويطعم الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه. وقال الكلبي : كان رجلاً من ثقيف له صرمة غنم، وقيل : إنه عامر بن الظرب العدواني، وكان هذا الصنم لثقيف، وفيه يقول الشاعر :
قال في الصحاح : و ﴿اللات﴾ اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف وبعض العرب يقف عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء ﴿والعزّى﴾ : صنم قريش وبني كنانة. قال مجاهد : هي شجرة كانت بغطفان، وكانوا يعبدونها، فبعث إليها النبي ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، وقيل : كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة. وقال سعيد بن جبير : العزّى : حجر أبيض كانوا يعبدونه. وقال قتادة : هي بيت كان ببطن نخلة ﴿ومناة﴾ : صنم بني هلال.
وقال ابن هشام : صنم هذيل وخزاعة. وقال قتادة : كانت للأنصار. قرأ الجمهور ﴿مُنَاةَ﴾ بألف من دون همزة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمدّ والهمز. فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمنى : أي صبّ، لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقرّبون بذلك إليها. وأما على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء، وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، وقيل : هما لغتان للعرب، ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير :
ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي :
وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف، ووقف ابن كثير وابن محيصن عليها بالهاء. قال في الصحاح : ومناة اسم صنم كان بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث، ويسكت عليها بالتاء، وهي لغة. قوله :﴿الثالثة الأخرى﴾ هذا وصف لمناة، وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى، والثالثة لا تكون إلاّ أخرى. قال أبو البقاء : فالوصف بالأخرى للتأكيد، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف به الثانية، فقال الخليل : إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله :﴿مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] وقال الحسين بن الفضل : فيه تقديم وتأخير، والتقدير : أفرأيتم اللات والعزّى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل : إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم، لأنها كانت عند المشركين عظيمة، وقيل : إن ذلك للتحقير والذم، وإن المراد المتأخرة الوضيعة، كما في قوله :﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهم﴾ [الأعراف: ٣٨] أي وضعاؤهم لرؤسائهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ قال : إذا انصبّ. وأخرج ابن المنذر عنه قال : هو الثريا إذا تدلت. وأخرج عنه أيضاً قال : أقسم الله أن ما ضلّ محمد ولا غوى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال : ذو خلق حسن. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن مسعود :«أن رسول الله ﷺ لم ير جبريل في صورته إلاّ مرّتين، أما واحدة : فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته، فسدّ الأفق، وأما الثانية : فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله :﴿وَهُوَ بالأفق الأعلى﴾. ﴿لَقَدْ رأى مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى﴾ قال : خلق جبريل». وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أن النبيّ ﷺ قال :«رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح»، وأخرجه أحمد عنه أيضاً. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَهُوَ بالأفق الأعلى﴾ قال : مطلع الشمس. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود في قوله :﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى﴾ قال :«رأى النبيّ ﷺ جبريل له ستمائة جناح». وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عنه في قوله :﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾ قال : رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلة رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض». وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ دَنَا فتدلى﴾ قال : هو محمد ﷺ دنا فتدلى إلى ربه.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال : دنا ربه فتدلى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله :﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال : دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : القاب : القيد، والقوسين : الذراعين. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما أسري بالنبيّ ﷺ اقترب من ربه، فكان قاب قوسين أو أدنى، ألم ترى إلى القوس ما أقربها من الوتر. وأخرج النسائي وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى﴾ قال : عبده محمد ﷺ. وأخرج مسلم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله :﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾. ﴿وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى﴾ قال : رأى محمد ربه بقلبه مرّتين. وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : رأى محمد ربه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ رأى ربه بعينه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه قال : رأى محمد ربه مرّتين مرّة ببصره ومرّة بفؤاده. وأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه والبيهقي عنه أيضاً قال : لقد رأى النبي ﷺ ربه عزّ وجلّ. وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ؟ وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذرّ قال :«سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك ؟ قال :«نور أنّى أراه ؟». وأخرج مسلم وابن مردويه عنه :«أنه سأل رسول الله ﷺ هل رأيت ربك ؟ قال :«رأيت نوراً» وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه، ولم يره ببصره. وأخرج مسلم عن أبي هريرة في قوله :﴿وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى﴾ قال : جبريل. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال :«لما أسري برسول الله ﷺ انتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها» ﴿إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾ قال : فراش من ذهب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال :«الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى». وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال : كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاجّ. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أن العزّى كانت ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ضيزى﴾ قال : جائرة لا حقّ لها.
| لا تنْصُروا اللاتَ إنَّ اللهَ مُهْلِكُها | وَكَيْفَ يَنْصُرُكُمْ مَنْ لَيْسَ يَنْتَصِرُ |
وقال ابن هشام : صنم هذيل وخزاعة. وقال قتادة : كانت للأنصار. قرأ الجمهور ﴿مُنَاةَ﴾ بألف من دون همزة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمدّ والهمز. فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمنى : أي صبّ، لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقرّبون بذلك إليها. وأما على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء، وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، وقيل : هما لغتان للعرب، ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير :
| أزيد مناة توعد يابن تيم | تأمل أين تاه بك الوعيد |
| ألا هَلْ أتى التَّيْم بن عبد مناءة | على السر فيما بيننا ابنُ تَمِيمِ |
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال : دنا ربه فتدلى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله :﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال : دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : القاب : القيد، والقوسين : الذراعين. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما أسري بالنبيّ ﷺ اقترب من ربه، فكان قاب قوسين أو أدنى، ألم ترى إلى القوس ما أقربها من الوتر. وأخرج النسائي وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى﴾ قال : عبده محمد ﷺ. وأخرج مسلم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله :﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾. ﴿وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى﴾ قال : رأى محمد ربه بقلبه مرّتين. وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : رأى محمد ربه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ رأى ربه بعينه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه قال : رأى محمد ربه مرّتين مرّة ببصره ومرّة بفؤاده. وأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه والبيهقي عنه أيضاً قال : لقد رأى النبي ﷺ ربه عزّ وجلّ. وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ؟ وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذرّ قال :«سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك ؟ قال :«نور أنّى أراه ؟». وأخرج مسلم وابن مردويه عنه :«أنه سأل رسول الله ﷺ هل رأيت ربك ؟ قال :«رأيت نوراً» وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه، ولم يره ببصره. وأخرج مسلم عن أبي هريرة في قوله :﴿وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى﴾ قال : جبريل. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال :«لما أسري برسول الله ﷺ انتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها» ﴿إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾ قال : فراش من ذهب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال :«الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى». وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال : كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاجّ. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أن العزّى كانت ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ضيزى﴾ قال : جائرة لا حقّ لها.