المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم قص تعالى حال سليمان فقال :﴿وحشر لسليمان﴾ أيْ جمع واختلف الناس في مقدار جند سلمان عليه السلام اختلافاً شديداً لم أر ذكره لعدم صحة التحديد، غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيماً ملأ الأرض وانقادت له المعمورة وكان كرسيه يحمل أجناده من الإنس والجن، وكانت الطير تظله من الشمس ويبعثها في الأمور، وكان له في الكرسي الأعظم موضع يخصه، و ﴿يوزعون﴾ معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويُكَفُّون، وقال قتادة فكان لكل صنف وزعة في رتبهم ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها فرب وقت كان يسير فيه في الأرض، ومنه قول الحسن الصبري حين ولي قضاء البصرة : لا بد للحاكم من وزعة، ومنه قول أبي قحافة حين وصفت له الجارية في يوم الفتح أنها ترى سواداً أمامه فارس قد نهد من الصف فقال لها : ذلك الوازع(١)، ومنه قول الشاعر [ النابغة الذبياني ] :[ الطويل ]
على حين عاتبت المشيب على الصبا. . . وقلت ألمّا أصح والشيب وازع(٢)
أي كافٍ.
١ روى محمد بن إسحق عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم قالت: لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى- تعني يوم الفتح- قال أبو قحافة- وقد كف بصره يومئذ- لابنته: اظهري بي على أبي قبيس، قالت: فأشرفت به عليه فقال: ما ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا من السواد مقبلا ومدبرا، قال: ذلك الوازع يمنعها أن تنتشر... إلخ الخبر..
٢ البيت للنابغة الذبياني، وهو من قصيدة له يمدح النعمان ويعتذر إليه مما وشت به بنو قريع بن عوف من تميم. و (على) في البيت بمعنى (في) كقوله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾، وأصح: أفيق، والوازع: الزاجر الكاف، والصبا: الصبوة وما فيها من أعمال الشباب ولهوهم، والبيت مرتبط بما قبله وهو قوله:
فكفكفت مني عبرة فرددتها على النحر منها مستهل ودامع
يقول: كفكفت دمعي في الوقت الذي عاتبت فيه نفسي في حال مشيبها على أفعال التصابي، وقلت لنفسي: ألم أفق بعد من طيشي وجهالتي والشيب وازع يزجرني ويكفني؟ والشاهد في البيت أن (وازع) بمعنى كاف، ومثله في ذلك قول الآخر:
ولما تلاقينا جرت من جفوننا دموع وزعنا غربها بالأصابع
وقول آخر:
ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلا وافر العقل كامله..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى