فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
فكان جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح والكلام اللين أنهم قالوا :﴿اطيرنا بك﴾ أصله تطيرنا، وقد قرئ بذلك، والتطير التشاؤم، أي : تشاءمنا بك، وأصابنا الشؤم والضيق والشدة بك ﴿وبمن معك﴾ ممن أجابك، ودخل في دين، وذلك لأنه أصابهم قحط فتشاءموا بصالح، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وأشقاهم بها، وكانوا إذا أرادوا سفرا أو أمرا من الأمور نفروا طائرا من وكره، فإن طار يمنة ساروا وفعلوا ما عزموا عليه، وإن طار يسرة تركوا ذلك.
وفي القرطبي : لا شيء أضر بالرأي، ولا أفسد للتدبير، من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورا فقد جهل ؛ فلما قالوا ذلك ﴿قال﴾ لهم صالح :
﴿وطائركم عند الله﴾ أي ما يصيبكم من الخير والشر بأمر الله، وهو مكتوب عليكم، سمي طائرا لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم، والمعنى ليس ذلك بسبب الطيرة التي يتشاءمون بها، بل سبب ذلك عند الله، وهو ما يقدره عليكم. وقيل : المعنى أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله لسبب كفركم، وهذا قوله تعالى :﴿يطيروا بموسى ومن معه، ألا إنما طائرهم عند الله﴾ وقيل : طائركم عملكم، وسمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء، ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح لبيان فقال :
﴿بل أنتم قوم تفتنون﴾ أي تمتحنون وتختبرون وقيل : تعذبون بذنوبكم، وقيل : يفتنكم غيركم، وقيل : يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة أو بما لأجله تطيرون، فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه وجاء بالخطاب مراعاة لتقدم الضمير، ولو روعي ما بعد، لقيل : يفتنون، بياء الغيبة، وهو جائز، ولكنه مرجوح، تقول : أنت رجل تفعل ويفعل، ونحن قوم نقر ويقرون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى