اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى(١) :﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ الآية، العامة على كسر لام قل، لالتقاء الساكنين، وأبو السمال بفتحها(٢) تخفيفاً، وكذا في قوله :﴿وَقُلِ الحمد للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [النمل: ٩٣]، «وَسَلاَمٌ » : مبتدأ، سوَّغ الابتداء به كونه دعاء.

فصل :


المعنى :«الحمد لله » على هلاكهم، وهذا خطاب لرسول الله - ﷺ - أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، و ﴿وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى﴾ بأن أرسلهم ونجّاهم(٣). وقيل : هذا كلام مبتدأ، فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء - عليهم السلام(٤) - وكان محمد - عليه السلام(٥) - كالمخالف لمن قبله - في العذاب ؛ لأن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه - أمره الله تعالى بأن يشكر ربّه على ما خصّه به من هذه النعم، وبأن يسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة(٦).
قوله :﴿وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى﴾ قال مقاتل : هم الأنبياء والمرسلون بدليل قوله تعالى :﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾(٧) [الصافات: ١٨١]. وقال ابن عباس - في رواية أبي مالك - هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم(٨) - وقال الكلبي : هم أمة محمد(٩) وقيل : هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين(١٠).
قوله :«أَمّا » أمْ هذه متصلة عاطفة، لاستكمال شروطها(١١)، والتقدير : أَيُّهُمَا خَيْرٌ، و «خَيْرٌ » إمَّا تفضيل - على زعم الكفار - وإلزام(١٢) الخصم، أو صفةٌ لا تفضيل فيها(١٣). و «مَا » في «أَمْ مَا » بمعنى الذي، وقيل : مصدرية، وذلك على حذف مضاف من الأول، أي أتوحيد الله خير أم شرككم(١٤) ؟ وقرأ أبو عمرو وعاصم :«أَمَّا يُشْرِكُونَ » بالغيبة حملاً على ما قبله من قوله :«وَأَمْطَرنَا عَلَيْهِمْ »، وما بعده من قوله :«بَلْ أَكْثَرَهُمْ »، والباقون على الخطاب(١٥)، وهو التفات للكفار، بعد خطاب نبيه - عليه السلام(١٦) - وهذا تبكيت للمشركين بحالهم، لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى، ولا يؤثر عاقل شيئاً على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة، فقيل لهم هذا الكلام تنبيهاً لهم على نهاية ضلالهم وجهلهم(١٧)، وروي أنّ رسول - ﷺ - كان إذا قرأها قال :«بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم »(١٨).
١ تعالى: سقط من ب..
٢ انظر تفسير ابن عطية ١١/٢٢٤، البحر المحيط ٧/٨٨..
٣ انظر البغوي ٦/٢٩٤..
٤ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٠٥..
٧ انظر البغوي ٦/٢٩٤-٢٩٥..
٨ انظر البغوي ٦/٢٩٥..
٩ المرجع السابق..
١٠ المرجع السابق..
١١ لأن "أم" المتصلة هي الواقعة بعد همزة التسوية، أو همزة يطلب بها و بـ "أم" التعيين، وسميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا تستغني بأحدهما عن الآخر، وتسمى معادلة لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية في النوع الأول والاستفهام في النوع الثاني. انظر المغني ١/٤١، الهمع ٢/١٣٢..
١٢ في ب: والدام. وهو تحريف..
١٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١٥٣، البيان ٢/٢٢٥..
١٤ انظر تفسير ابن عطية ١١/٢٢٥-٢٢٦، البحر المحيط ٧/٨٨..
١٥ الكشف ٢/١٦٣-١٦٤، الإتحاف (٣٣٨)..
١٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٠٥..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٠٥، القرطبي ١٣/١٢١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى