البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر نوعا آخر، فقال :
﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ والأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ * ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
قلت :" من " : إما فاعل بيعلم، و " الغيب " : بدل منه، و " الله " : مفعول، و " إلا الله " : بدل على لغة تميم، أي : إبدال المنقطع، وإما مفعول بيعلم، و " الغيب " بدل منه و( الله ) : فاعل، والاستثناء : مفرغ.
يقول الحق جل جلاله :﴿أمّن يبدأُ الخلقَ﴾ أي : ينشىء الخلق ﴿ثم يُعيده﴾ بعد الموت بالبعث. وإنما قيل لهم :﴿ثم يُعيده﴾ وهم منكرون للإعادة ؛ لأنهم أزيحتْ شبهتهم بالتمكن من المعرفة، والإقرار، فلم يبقَ لهم عذرٌ في الإنكار. ﴿ومن يرزقكم من السماء﴾ بالمطر ﴿والأرض﴾ أي : ومن الأرض بالنبات، أي : يرزقكم بأسباب سماوية وأرضية، قد رتبها على ترتيب بديع، تقضيه الحكمة التي عليها بني أمر التكوين، ﴿أإله مع الله﴾ يفعل ذلك ؟ ﴿قل هاتُوا بُرهانَكم﴾ أي : حجتكم، عقلية أو نقلية، على إشراككم، ﴿إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم أن مع الله إلهاً آخر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الرزق ثلاثة : رزق الأشباح، ورزق القلوب، ورزق الأرواح، فرزق الأشباح معلوم، ورزق القلوب : اليقين والطمأنينة، ورزق الأرواح : المشاهدة والمكالمة. قُل من يرزق قلوبكم وأرواحكم من سماء غيب القدرة وأرض الحكمة ؟ فلا رازق سواه، ولا برهان على وجود ما سواه، ولا يعلم الغيب إلا الله. أو : من كان وجوده بالله قد غاب في نور الله، فَشَهِدَ الغيب بالله. والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى