التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى - :﴿أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ﴾ أى : قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى قى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى ؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -.
ثم قولوا لنا ﴿وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾ بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى ؟
﴿أإله مَّعَ الله﴾ هو الذى فعل ذلك ؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله ﷺ الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال :﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.
قال الإمام الرازى ما ملخصه : اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال :﴿أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ﴾، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء. فإن قيل : كيف قيل لهم :﴿أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ﴾ وهم منكرون للإعادة ؟
فالجواب : أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإنكار..
وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى