الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه فاعلُ " يَعْلَمُ " و " مَنْ " مفعولُه. و " الغيبَ " بدلٌ مِنْ " مَنْ السماواتِ " أي : لا يعلمُ غيبَ مَنْ في السماواتِ والأرضِ إلاَّ اللهُ أي : الأشياءَ الغائبةَ التي تَحْدُثُ في العالَمِ. وهو وجهٌ غريبٌ ذكره الشيخ. الثاني : أنه مستثنى متصلٌ مِنْ " مَنْ "، ولكن لا بُدَّ من الجمعِ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدةٍ على هذا الوجهِ بمعنى : أنَّ عِلْمَه في السماوات والأرضِ، فيَنْدَرِجُ في ﴿مَن فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ﴾ بهذا الاعتبارِ وهو مجازٌ وغيرُه مِنْ مخلوقاتِه في السماواتِ والأرضِ حقيقةٌ، فبذلِك الاندراجِ المُؤَوَّل اسْتُثْنِي مِنْ " مَنْ " وكان الرفعُ على البدلِ أَوْلَى لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ.
وقد رَدَّ الزمخشريُّ هذا : بأنه جَمْعٌ بين الحقيقةِ والمجازِ، وأوجبَ أن يكونَ منقطعاً فقال :" فإنْ قلتَ : لِمَ رُفِعَ اسمُ اللهِ، واللهُ يَتعالَى أن يكونَ مِمَّنْ في السماواتِ والأرض ؟ قلت : جاء على لغةِ بني تميمٍ حيث يقولون :" ما في الدار أحدٌ إلاَّ حمارٌ " يريدون : ما فيها إلاَّ حمارٌ، كأنَّ " أحداً " لم يُذْكَرْ. ومنه قولُه :
عَشِيَّةَ ما تُغْني الرِّماحُ مكانَهاولا النَّبْلُ إلاَّ المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ
وقولُهم :" ما أتاني زيدٌ إلاَّ عمروٌ، وما أعانني إخوانكم إلاَّ إخوانُه ". فإنت قلت : ما الداعي إلى اختيارِ المذهبِ التميمي على الحجازي ؟ قلت : دَعَتْ إليه نُكْتَةٌ سِرِّيَّةُ حيث أُخْرِج المستثنى مُخْرَجَ قولِه :
إلاَّ اليَعافِيرُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ***
بعد قوله :
٣٥٧٩. . . . . . . . . . . . . . . . . . لَيْسَ بها أنيسُ ***
ليَؤُوْلَ المعنى إلى قولك : إنْ كان الله مِمَّنْ في السماوات والأرضَ فهم يعلمون الغيبَ. يعني : أنَّ عِلْمَهم الغيبَ في استحالتِه كاستحالةِ أن يكونَ اللهُ منهم. كما أنَّ معنى ما في البيت : إنْ كانت اليعافيرُ أَنيساً ففيها أنيسٌ، بَتَّاً للقولِ بخُلُوِّها من الأنيسِ. فإن قلت : هَلاَّ زَعَمْتَ أن اللهَ مِمَّنْ في السماواتِ والأرضِ، كما يقول المتكلمون :" إنَّ الله في كلِّ مكان " على معنى : أنَّ عِلْمَه في الأماكن كلها، فكأنَّ ذاتَه فيها حتى لا يُحْمَل على مذهبِ بني تميمٍ " قلتُ : يَأْبَى ذلك أنَّ كونَه في السمواتِ والأرضِ مجازٌ، وكونَهم فيهنَّ حقيقةٌ، وإرادةُ المتكلمِ بعبارةٍ واحدةٍ حقيقةً ومجازاً غيرُ صحيحٍ. على أنَّ قولَك " مَنْ في السماوات والأرض : وجَمْعَك بينه وبينهم في إطلاقِ اسمٍ واحدٍ، فيه إيهامُ تَسْويةٍ، والإِيهاماتُ مُزَالةٌ عنه وعن صفاتِه. ألا ترى كيف " قال عليه السلام لِمَنْ قال :" ومَنْ يَعْصِهما فقد غوى " " بِئْسَ خطيبُ القومِ أنت " " قلت : فقد رَجَّحَ الانقطاعَ واعتذر عن ارتكابِ مذهبِ التميمين بما ذَكَر. وأكثرُ العلماءِ أنه لا يُجْمَعُ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدة. وقد قال به الشافعيُّ ".
قوله :﴿أَيَّانَ﴾ هي هنا، بمعنى " متى " / وهي منصوبةٌ ب " يُبْعَثون " فتعلُّقُه ب " يَشْعُرون " فهي مع ما بعدها في محلِّ نصبٍ بإسقاطِ الباءِ أي : ما يَشْعرون بكذا. وقرأ السُّلميٌّ " إيَّان " بكسرِ الهمزةِ، وهي لغةُ قومِه بني سُلَيْم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى