اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله ( تعالى :﴿قُل )(١) لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله﴾ لما بين أنه مختص بالقدرة، بين أنه المختص بعلم الغيب، وإذا ثبت ذلك، ثبت أنه الإله المعبود(٢).
وفي هذا الاستثناء أوجه :
أحدها : أنه فاعل «يعلم »، و «من » مفعوله، و «الغيب » بدل من «من في السموات » أي : لا يعلم غيب من في السموات والأرض إلا الله، أي : الأشياء الغائبة التي تحدث في العالم، وهو وجه غريب ذكره أبو حيان(٣).
الثاني : أنه مستثنى متصل من «من »، ولكن لا بد من الجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة على هذا الوجه، و(٤) بيانه أن الظرفية المستفادة من «مَنْ في » حقيقة بالنسبة إلى غير الله تعالى، ومجاز بالنسبة إلى الله تعالى بمعنى(٥) : أن علمه في السموات والأرض فيندرج ( في )(٦) ﴿مَن فِي السماوات والأرض﴾ بهذا الاعتبار، وهو مجاز، وغيره من مخلوقاته في السموات والأرض حقيقة، فبذلك الاندراج المؤول استثني من «مَنْ »، وكان الرفع على البدل أولى، ( لأن الكلام غير موجب(٧)، قال مكي : الرفع في اسم الله - عز وجل - على البدل ) (٨)من من(٩).
ورد الزمخشري هذا بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز وأوجب أن يكون منقطعاً، فقال : فإن(١٠) قلت : لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السموات والأرض ؟ قلت : جاء على لغة بني تميم، حيث يقولون : ما في الدار أحد(١١) إلا حمار، يريدون : ما فيها إلا حمار، كأنَّ أحداً لم يذكر، ومنه قوله :
٣٩٦٩ - عَشِيَّةَ مَا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَاوَلاَ النَّبْلُ(١٢) إلاَّ المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ(١٣)
وقولهم : ما أتاني زيد «إلا عمرو »، وما أعانني(١٤) إخوانكم إلا إخوانه، فإن قلت : ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي ؟ قلت : دعيت إليه نكتة سرية، حيث أخرج المستثنى مخرج قوله : إلاَّ اليَعَافِيرُ، بعد قوله : لَيْسَ بِهَا أنِيس(١٥) : ليؤول المعنى إلى قولك : إن كان الله ممن في السموات والأرض، فهم يعلمون الغيب يعني أن علمهم الغيب - في استحالته - كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أن معنى «ما في البيت » إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتّاً للقول بخلوها من الأنيس. فإن قلت : هلا زعمت أن الله ممن في السموات والأرض، كما يقول المتكلمون :«إن الله في كل مكان » على معنى : أن علمه في الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا يحمل على مذهب بني تميم ؟ قلت : يأبى ذلك أن كونه في السموات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازاً غير صحيح، على أن قولك : من في السموات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد فيه إيهام وتسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته، ألا ترى كيف قال عليه السلام(١٦) لمن قال : ومن يعصهما فقد غوى :«بئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْت(١٧) »(١٨).
فقد رجح الانقطاع، واعتذر في ارتكاب مذهب التميميين بما ذكر، وأكثر العلماء أنه لا يجمع بين الحقيقة والمجاز(١٩) في كلمة واحدة، وقد قال به الشافعي.

فصل :


نزلت هذه الآية في المشركين، حيث سألوا رسول الله - ﷺ - عن وقت قيام الساعة(٢٠). و «مَا يَشْعُرُون » صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم علم بالغيب، وذكر في جملة الغيب : متى(٢١) البعث ؛ بقوله :«أيَّانَ يُبْعَثُونَ »، و «أَيَّانَ » بمعنى متى(٢٢)، وهي كلمة مركبة من : أي والآن، وهو(٢٣) الوقت. وقرئ :«إيّان » بكسر الهمزة، قرأ بها السلمي(٢٤)، وهي لغة قومه بني سليم(٢٥)، وهي منصوبة ب «يُبْعَثُونَ » ومعلقة ل «يَشْعُرُونَ » فهي مع ما بعدها في محل(٢٦) نصب بإسقاط الباء، أي ما يشعرون بكذا.
١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢١١..
٣ انظر البحر المحيط ٧/٩١..
٤ و: سقط من ب..
٥ في ب: معنى..
٦ في : تكملة ليست في المخطوط..
٧ انظر البيان ٢/٢٢٦..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ مشكل إعراب القرآن ٢/١٥٣، وانظر التبيان ٢/١٠١٢..
١٠ في ب: وإن.
١١ في ب: واحد..
١٢ في ب: السبيل..
١٣ البيت من البحر الطويل، قاله الحصين بن الحمام، ويروى لضرار بن الأزور. وقد تقدم..
١٤ في الكشاف: وما أعانه..
١٥ جزءان من بيتين من الرجز وتمامهما:
وبلدة ليس بها أنيسإلا اليعافير وإلا العيس
قالهما جران العود، وهما في الكتاب ١/٢٦٣، ٢/٣٢٢، معاني القرآن للفراء ١/٤٧٩، ٢/١٥، المقتضب ٢/٣١٨، ٣٤٦، ٤/٤١٤، الإنصاف ١/٢٧١، ٣٧٧، ابن يعيش ٢/٨٠، ١١٧، ٧/٢١، ٨/٥٢، شذور الذهب (٢٦٥)، المقاصد النحوية ٣/١٠٧، التصريح ١/٣٥٣، الهمع ١/٢٢٥، ٢/١٤٤، الأشموني ٢/١٤٧، الخزانة ١٠/١٥، الدرر ١/١٩٢، ٢/٢٠٢، الواو في (بلدة) واو (رب)، و(بلدة) مجرور بـ (رب) المحذوفة. والبلدة: القطعة من الأرض، ومطلق الأرض. الأنيس: من يونس به من الناس اليعافير: جمع يعفور، وهو ولد الظبية، وولد البقرة الوحشية أيضا. وقال بعضهم: اليعفور: تيس الظباء.
والعيس: إبل بيض يخالط بياضها شقرة، جمع أعيس، والأنثى عيساء. والشاهد فيه قوله: (إلا اليعافير وإلا العيس) بالرفع بدل من (أنيس) وإن لم يكن من جنسه على لغة بني تميم، وأهل الحجاز يوجبون في هذا النصب..

١٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٧ أخرجه مسلم (جمعة) ٢/٥٩٤، أبو داود (صلاة) ١/٦٦٠، النسائي (نكاح) ٦/٩٠، أحمد ٤/٢٥٦، ٣٧٩..
١٨ الكشاف ٣/١٤٩-١٥٠..
١٩ الحقيقة لغة: ذات الشيء اللازمة له، وفي الاصطلاح: لفظ المستعمل فيها وضع له في الاصطلاح الذي به التخاطب، ولها أقسام بحسب الوضع. والمجاز لغة: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في الاصطلاح الذي به التخاطب لعلاقة ما، وله أقسام. انظر الإيضاح ٢٧٢-٢٧٤..
٢٠ انظر البغوي ٦/٣٠٠..
٢١ في ب: من. وهو تحريف..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢١١..
٢٣ في ب: وهي..
٢٤ المحتسب ٢/١٤٢. .
٢٥ انظر البحر المحيط ٧/٩٢..
٢٦ انظر البحر المحيط ٧/٩١-٩٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى