الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
فإن قلت : لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السموات والأرض ؟ قلت : جاء على لغة بني تميم، حيث يقولون : ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون : ما فيها إلا حمار، كأن أحداً لم يذكر. ومنه قوله :
عَشِيَّةَ مَا تُغنِي الرِّماحُ مَكَانَهَاوَلاَ النَّبْلُ إلاَّ الْمَشْرَفِيُّ الْمُصَمّمُ
وقولهم : ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه.
فإن قلت : ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي ؟ قلت : دعت إليه نكتة سَرية. حيث أخرج المستثنى مخرج قوله : إلا اليعافير، بعد قوله : ليس بها أنيس، ليؤول المعنى إلى قولك : إن كان الله ممن في السموات والأرض، فهم يعلمون الغيب، يعني : أنّ علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أنّ معنى ما في البيت : إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس، بتاً للقول بخلوّها عن الأنيس.
فإن قلت : هلا زعمت أنّ الله ممن في السموات والأرض، كما يقول المتكلمون : الله في كل مكان، على معنى أنّ علمه في الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا تحمله على مذهب بني تميم ؟ قلت : يأبى ذلك أن كونه في السموات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازاً غير صحيحة، على أنّ قولك : من في السموات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد : فيه إيهام تسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته تعالى. ألا ترى كيف قال ﷺ لمن قال : ومن يعصهما فقد غوى :" بئس خطيب ا لقوم أنت " وعن عائشة رضي الله عنها :" من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية "، والله تعالى يقول :﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله﴾. وعن بعضهم : أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً ؛ لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل : نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت الساعة ﴿أَيَّانَ﴾ بمعنى متى، ولو سمي به : لكان فعالاً، من آن يئين ولا نصرف. وقرىء :«إيان » بكسر الهمزة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى