تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
[ الآية ٨٨ ] وقوله تعالى :﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ قال بعضهم : هي تمر مر كذا لكثرتها وازدحامها، يرى الناظر إليها، ويحسبها كأنها جامدة، وكذلك العسكر العظيم يحسبه(١) الناظر إليه كأنه ساكن جامد [ لكثرة جنوده ](٢) وازدحامهم. فعلى الجبال.
وقال بعضهم : لا، ولكن لشدة ذلك اليوم وهوله وفزعه على الناس، يحسبون [ الجبال ](٣) كأنها جامدة ﴿وهو تمر مر السحاب﴾ وهو ما ذكر :﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ الآية [الحج: ٢] لشدة ذلك اليوم وفزعه.
وقال بعضهم : لا، ولكن الجبال لهول ذلك اليوم وفزعه تمر مر السحاب وسيره كقوله :﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥].
وأصله : أن ما يذكر هذا وما تقدم من هول ذلك اليوم وشدته على الخلق ليتعظوا، وينزجروا.
وقوله تعالى :﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ قال بعضهم : أتقن، أحكم، وأبرم. وقال بعضهم :﴿أتقن﴾ أي أحسن ﴿كل شيء﴾.
قال بعض المعتزلة : كيف يكون الكفر حسنا، وهو قبيح، لأنه شتم رب العالمين ؟ ولا يجوز أن يقال : الله خلق شتم نفسه، وأحسن شتم نفسه، وأحسن كفر الكافر وغير ذلك من الخرافات ؟ فيقال لهم : لا(٤) يقول أحد : إنه خلق الكفر، وأحسنه، أو أحسن شتم نفسه. على هذا الإطلاق، ومن(٥) قال ذلك فهو كافر. ولكن نقول :[ خلق ](٦) فعل الكفر من الكافر قبيحا، وخلق فعل المعصية من العاصي قبيحا. لكنه من حيث خلقه ذلك وجعله حجة عليه حسنا متقنا محكما، وإن كان ذلك الفعل منه قبيحا باطلا سفها جورا، أعني من الكافر.
ألا ترى أن من تكلف أن يعرف فعل الكفر منه سفها وجورا، كان غير مذموم ؟ لأنه يتكلف أن يعرف ما هو سفه في الحقيقة سفها، ويعرف ما هو حق حقا.
فهو من هذا الوجه عارف حق وحكمة لأن الحكمة توجب أن يعرف كل شيء على ما هو في نفسه حقيقة. فعلى ذلك خلق فعل الكفر من الكافر على الوجه الذي ذكرنا، هو حسن متقن محكم، وإن كان من حيث فعل الكافر قبيحا سفها باطلا. وهذا كما يصفه على الإطلاق أنه ﴿رب كل شيء﴾ [الأنعام: ١٦٤] و﴿خالق كل شيء﴾ [ الرعد : ١٦ والزمر : ٦٢ ]. ولا نقول : يا خالق الأنجاس، ويا رب الأقذار ونحوه، وإن كان هذا داخلا في الجملة أنه خالقها وربها، لأنه على الإطلاق يخرج مخرج المدح له والثناء، وعلى(٧) التخصيص يخرج مخرج الذم له. فعلى ذلك الأول.
وقوله تعالى :﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ على إثر وصف الجبال بما وصف من انتقاضها وإفسادها(٨) وإخراجها عن الصفة التي أنشأها إلى ما ذكر لم يخرج من الإتقان والإحكام والإبرام ليعلم أن ليس في إفساد الشيء خروج عن الإتقان إذا كان ذلك محكمه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إنه خبير بما تفعلون﴾ وعيد لهم.
١ - في الأصل وم: يحسب.
٢ - في الأصل وم: لكثرتهم..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: لو..
٥ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٦ - ساقطة من الأصل وم.
٧ - الواو ساقطة من الأصل وم..
٨ - من م، في الأصل: وإفساده..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى