المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
والضمير في ﴿جاءها﴾ للنار التي رآها موسى، وقوله ﴿أن بورك﴾ يحتمل أن تكون ﴿أن﴾ مفسرة، ويحتمل أن تكون في موضع نصب على تقدير «بأن بورك »، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على تقدير نودي أنه قاله الزجاج، وقوله ﴿بورك﴾ معناه قدس وضوعف خيره ونمي، والبركة مختصة بالخير، ومن هذا قول أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب :
وبارك متعد بغير حرف تقول العرب باركك الله(٢) وقوله ﴿من في النار﴾ اضطرب المتأولون فيه فقال ابن عباس وابن جبير والحسن وغيرهم : أراد عز وجل نفسه وعبر بعضهم في هذا القول عبارات مردودة شنيعة، وقال ابن عباس رضي الله عنه : أراد النور، وقال الحسن وابن عباس : أراد بمن حولها الملائكة وموسى.
قال القاضي أبو محمد : فأما قول الحسن وغيره فإنما يتخرج على حذف مضاف بمعنى ﴿بورك مَن﴾ قدرته وسلطانه ﴿في النار﴾ والمعنى في النار على ظنك وما حسبت، وأما القول بأن ﴿من﴾ للنور فهذا على أن يعبر على النور بمن من حيث كان من نور الله ويحتمل أن تكون من الملائكة لأن ذلك النور الذي حسبه موسى ناراً لم يخل من الملائكة، ﴿ومن حولها﴾ يكون لموسى عليه السلام وللملائكة المطيفين به، وقرأ أبي بن كعب «أن بوركت النار »، كذا حكى أبو حاتم وحكى ابن جني أنه قرأ «تباركت النار ومن حولها »، وحكى الداني أبو عمرو أنه قرأ «ومن حولها من الملائكة »، قال : وكذلك قرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة(٣)، وقوله تعالى :﴿وسبحان الله رب العالمين﴾ يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى، ويحتمل أن يكون خطاباً لمحمد عليه السلام اعتراضاً بين الكلامين، والمقصد به على كلا الوجهين تنزيه الله تعالى مِمَّا عسى أن يخطر ببال في معنى النداء من الشجرة وكون قدرته وسلطانه في النار وعود من عليه، أي هو منزه في جميع هذه الحالات عن التشبيه والتكييف، قال الثعلبي : وإنما الأمر كما روي أن في التوراة جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من فاران، المعنى ظهرت أوامره بأنبيائه في هذه الجهات(٤) وفاران جبل مكة.
| بورك الميت الغريب كما بو | رك ينع الرمان والزيتون(١) |
قال القاضي أبو محمد : فأما قول الحسن وغيره فإنما يتخرج على حذف مضاف بمعنى ﴿بورك مَن﴾ قدرته وسلطانه ﴿في النار﴾ والمعنى في النار على ظنك وما حسبت، وأما القول بأن ﴿من﴾ للنور فهذا على أن يعبر على النور بمن من حيث كان من نور الله ويحتمل أن تكون من الملائكة لأن ذلك النور الذي حسبه موسى ناراً لم يخل من الملائكة، ﴿ومن حولها﴾ يكون لموسى عليه السلام وللملائكة المطيفين به، وقرأ أبي بن كعب «أن بوركت النار »، كذا حكى أبو حاتم وحكى ابن جني أنه قرأ «تباركت النار ومن حولها »، وحكى الداني أبو عمرو أنه قرأ «ومن حولها من الملائكة »، قال : وكذلك قرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة(٣)، وقوله تعالى :﴿وسبحان الله رب العالمين﴾ يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى، ويحتمل أن يكون خطاباً لمحمد عليه السلام اعتراضاً بين الكلامين، والمقصد به على كلا الوجهين تنزيه الله تعالى مِمَّا عسى أن يخطر ببال في معنى النداء من الشجرة وكون قدرته وسلطانه في النار وعود من عليه، أي هو منزه في جميع هذه الحالات عن التشبيه والتكييف، قال الثعلبي : وإنما الأمر كما روي أن في التوراة جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من فاران، المعنى ظهرت أوامره بأنبيائه في هذه الجهات(٤) وفاران جبل مكة.
١ البيت في (اللسان- برك) والرواية فيه: "نضح الرمان" بدلا من "نبع الرمان"، قال: "قال الأزهري: معنى بركة الله علوه على كل شيء قال أبو طالب: بورك... البيت"..
٢ قال في (اللسان- برك) :"بارك الله الشيء وبارك فيه وعليه". وقال الفراء: "والعرب تقول: "باركك الله وبارك فك" وقال الثعلبي: "العرب تقول: باركك الله وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات" ثم أنشد قول الشاعر:
فبوركت مولودا وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب
وقال عبد الله بن الزبير:
فبورك في بنيك وفي بنيهم إذا ذكروا ونحن لك الفداء
ومعنى هذا أن (بارك) تتعدى بالحرف وبغير الحرف..
٣ قال النحاس عما رواه الداني ومكي من قراءة أبي وابن عباس ومجاهد وعكرمة: "ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها الملائكة وموسى".
وقال أبو الفتح في قراءة أبي: "تباركت"- ورواها: "تباركت الأرض": - "هو تفاعل من البركة، وهو تأكيد لمعنى البركة، كقولك: (تعالى الله)، فهو أبلغ من (علا)، وأصل هذا من فعل في الفعل، فقطعت وكسرت أقوى معنى من قطعت وكسرت، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿أخذ عزيز مقتدر﴾ فهو أبلغ من قادر، ولهذا أيضا جاء قوله: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، فقد عبر عن لفظ الحسنة بـ (كسب) وذلك لاحتقار الحسنة إلى ثوابها، لقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾، وجاء (اكتسب) في السيئة تنفيرا منها، وتهويلا وتشنيعا بارتكابها..
٤ قال القرطبي: "فمجيئه من سيناء بعثه موسى عليه السلام منها، وإشراقه من ساعير بعثه المسيح عليه السلام منها، واستعلاؤه من فاران بعثه محمدا ﷺ منها، وفاران: مكة"..
٢ قال في (اللسان- برك) :"بارك الله الشيء وبارك فيه وعليه". وقال الفراء: "والعرب تقول: "باركك الله وبارك فك" وقال الثعلبي: "العرب تقول: باركك الله وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات" ثم أنشد قول الشاعر:
فبوركت مولودا وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب
وقال عبد الله بن الزبير:
فبورك في بنيك وفي بنيهم إذا ذكروا ونحن لك الفداء
ومعنى هذا أن (بارك) تتعدى بالحرف وبغير الحرف..
٣ قال النحاس عما رواه الداني ومكي من قراءة أبي وابن عباس ومجاهد وعكرمة: "ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها الملائكة وموسى".
وقال أبو الفتح في قراءة أبي: "تباركت"- ورواها: "تباركت الأرض": - "هو تفاعل من البركة، وهو تأكيد لمعنى البركة، كقولك: (تعالى الله)، فهو أبلغ من (علا)، وأصل هذا من فعل في الفعل، فقطعت وكسرت أقوى معنى من قطعت وكسرت، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿أخذ عزيز مقتدر﴾ فهو أبلغ من قادر، ولهذا أيضا جاء قوله: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، فقد عبر عن لفظ الحسنة بـ (كسب) وذلك لاحتقار الحسنة إلى ثوابها، لقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾، وجاء (اكتسب) في السيئة تنفيرا منها، وتهويلا وتشنيعا بارتكابها..
٤ قال القرطبي: "فمجيئه من سيناء بعثه موسى عليه السلام منها، وإشراقه من ساعير بعثه المسيح عليه السلام منها، واستعلاؤه من فاران بعثه محمدا ﷺ منها، وفاران: مكة"..