التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري

عن الكتاب
وفي مطلع هذه السورة إشارة إلى جملة من القوات الكونية التي سخرها الله وبثها في الكون، لتنفيذ أمره فيه، وتدبير شؤونه طبقا لمشيئته، ووفقا لحكمته. فقال تعالى :﴿بسم الله الرحمن الرحيم والنازعات غرقا١ والناشطات نشطا٢ والسابحات سبحا٣ فالسابقات سبقا٤ فالمدبرات أمرا٥ يوم ترجف الراجفة٦ تتبعها الرادفة٧﴾.
ولتقريب معنى هذه الأشياء المقسم بها من الأذهان يمكن أن يكون معنى ﴿النازعات غرقا١﴾ كل ما أودعت فيه قوة نزع الأشياء من مقارها بشدة، وأن يكون معنى ﴿الناشطات نشطا٢﴾ كل ما أودعت فيه قوة إخراج الأشياء في خفة ولين، وأن يكون معنى ﴿السابحات سبحا٣﴾ كل ما أودعت فيه قوة السرعة في تأدية وظائفه بسهولة ويسر، وأن يكون معنى ﴿السابقات سبقا٤﴾ كل الأشياء التي تسبق في أداء ما وكل إليها سبقا عظيما، وأن يكون معنى ﴿المدبرات أمرا٥﴾ كل الكائنات التي وكل الله إليها تدبير الأمور وتصريفها، بما أودع فيها من خصائص، وهذه المعاني التي اختارتها لجنة ( المنتخب في تفسير القرآن الكريم )، هي أعم ما يمكن أن تحمل عليه المفردات الواردة في مطلع هذه السورة، المقسم بها على قيام الساعة وزلزلتها العظمى، ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ ( الحج : ١ )، وبذلك يقع تفادي ما وقع في تفسير هذه المفردات من تضارب واختلاف عند قدماء المفسرين، وقال ابن عباس : " الراجفة والرادفة هما النفختان الأولى والثانية " وقال مجاهد : " أما الأولى وهي قوله تعالى هنا :﴿يوم ترجف الراجفة٦﴾، فهي كقوله تعالى جلت عظمته :﴿يوم ترجف الأرض والجبال﴾ ( المزمل : ١٤ )، وأما الثانية وهي قوله تعالى هنا :﴿تتبعها الرادفة٧﴾، فهي كقوله جل علاه :﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ ( الحاقة : ١٤ ). ويمكن حمل " الرادفة " على السماء، بمعنى أنها تردف الأرض وتتبعها في الانقلاب الكوني عند فناء العالم، حيث تنشق وتتناثر كواكبها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى