البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً﴾ تقدّم مثل تفسير هذه الآية، ونزلت قيل : في طعمة.
وقيل : في نفر من قريش أسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين.
وقيل : في شيخ قال : لم أشرك بالله منذ عرفته، إلا أنه كان يأتي ذنوباً، وأنه ندم واستغفر، إلا أنّ آخر ما تقدّم فقد افترى إثماً عظيماً، وآخر هذه فقد ضل ضلالاً بعيداً ختمت كل آية بما يناسبها.
فتلك كانت في أهل الكتاب، وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول ﷺ، ووجوب اتباع شريعته، ونسخها لجميع الشرائع، ومع ذلك قد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله تعالى والإيمان بما نزل، فصار ذلك افتراء واختلافاً مبالغاً في العظم والجرأة على الله.
وهذه الآية هي في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم، ومع ذلك فقد جاءهم بالهدى من الله، وبان لهم طريق الرشد فأشركوا بالله، فضلوا بذلك ضلالاً يستبعد وقوعه، أو يبعد عن الصواب. ولذلك جاء بعده :﴿إن يدعون من دونه إلا إناثاً﴾ وجاء بعد تلك :﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ وقوله :﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب﴾ ولم يختلف أحد من المتأولين في أنّ المراد بهم اليهود، وأن كان اللفظ عاماً.
ولما كان الشرك من أعظم الكبائر، كان الضلال الناشىء عنه بعيداً عن الصواب، لأن غيره من المعاصي وإن كان ضلالاً لكنه قريب من أن يراجع صاحبه الحق، لأن له رأس مال يرجع إليه وهو الإيمان، بخلاف المشرك.
ولذلك قال تعالى :﴿يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد﴾ وناسب هنا ذكر الضلال لتقدم الهدى قبله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع.
منها التجنيس المغاير في : فقد ضل ضلالاً، وفي : فقد خسر خسراناً، وفي : ومن أحسن وهو محسن.
والتكرار في : لا يغفر ويغفر، وفي : يشرك ومن يشرك، وفي : لآمرنهم، وفي : اسم الشيطان، وفي : يعدهم وما يعدهم، وفي : الجلالة في مواضع، وفي : بأمانيكم ولا أماني، وفي : من يعمل ومن يعمل، وفي : ابراهيم.
والطباق المعنوي في : ومن يشاقق والهدى، وفي : أن يشرك به ولمن يشاء يعني المؤمن، وفي : سواء والصالحات.
والاختصاص في : بصدقة أو معروف أو إصلاح، وفي : وهو مؤمن، وملة ابراهيم، وفي : ما في السموات وما في الأرض.
والمقابلة في : من ذكر أو أنثى.
والتأكيد بالمصدر في : وعد الله حقاً.
والاستعارة في : وجهه لله عبر به عن القصد أو الجهة وفي : محيطاً عبر به عن العلم بالشيء من جميع جهاته.
والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى