محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١٦ من سورة النساء في ١٠١ كتاب من كتب التفسير، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٥ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١٦ من سورة النساء

١٠١ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك ومات على شركه بالله ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم به¹ ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يقول : ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب لمن يشاء، يعني بذلك جلّ ثناؤه : أن طعمة لولا أنه أشرك بالله ومات على شركه لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته، وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه. وكذلك حكم كل من اجترم جرما، فإلى الله أمره، إلا أن يكون جرمه شركا بالله وكفرا، فإنه ممن حتم عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه، فإذا مات على شركه، فقد حرّم الله عليه الجنة، ومأواه النار.
وقال السديّ في ذلك بما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿أنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشَرَكَ بِه وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لَمِنْ يَشاءُ﴾ يقول : من يجتنب الكبائر من المسلمين.
وأما قوله :﴿وَمَنْ يُشْرِكْ باللّهِ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً بَعِيدا﴾ فإنه يعني : ومن يجعل لله في عبادته شريكا، فقد ذهب عن طريق الحقّ، وزال عن قصد السبيل ذهابا بعيدا وزوالاً شديدا. وذلك أنه بإشراكه بالله في عبادته، فقد أطاع الشيطان وسلك طريقه وترك طاعة الله ومنهاج دينه، فذاك هو الضلال البعيد والخسران المبين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا (١١٦)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك ومات على شركه بالله، ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم به="ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، يقول: ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب لمن يشاء. يعني بذلك جل ثناؤه: أن طعمة لولا أنه أشرك بالله ومات على شركه، لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته، وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه= وكذلك حكم كل من اجترم جُرْمًا، فإلى الله أمره، إلا أن يكون جرمه شركًا بالله وكفرًا، فإنه ممن حَتْمٌ عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه (١) = فأما إذا مات على شركه، فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار.
* * *
وقال السدي في ذلك بما:-
١٠٤٢٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، يقول: من يجتنب الكبائر من المسلمين.
* * *
وأما قوله:"ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدًا"، فإنه يعني: ومن يجعل لله في عبادته شريكًا، فقد ذهب عن طريق الحق وزال عن قصد السبيل،
(١) هذه العبارة التي وضعتها بين الخطين، معترضة في سياق الجملة، وسياقها: أن طعمة لولا أنه مات على شركه. لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته، وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه... فإما إذا مات على شركه... " ولما أخطأ ناشر المطبوعة الأولى قراءة هذه العبارة، فقد كتب هكذا:
"فإنه حتم عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه، فإذا مات على شركه" فصار الكلام كله لغوًا وخلطًا.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [ لِمَنْ يَشَاءُ ](١) الآية [النساء: ٤٨]، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة.
وقد روى الترمذي حديث ثُوَيْر(٢) بن أبي فَاخِتَة سعيد بن عَلاقَةَ، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه أنه قال : ما في القرآن آية أحب إليَّ من هذه الآية :﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ](٣) الآية، ثم قال : حسن غريب(٤).
وقوله :﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أي : فقد سلك غير(٥) الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها(٦) في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.
١ زيادة من ر، أ..
٢ في أ: "يزيد"..
٣ زيادة من ر، أ.
.

٤ سنن الترمذي برقم (٣٠٣٧)..
٥ في ر، أ: "عن"..
٦ في أ: "ضرها"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
[صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]. (١) وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ، قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا فِي كِتَابِ "أَحَادِيثِ الْأُصُولِ"، وَمِنِ الْعُلَمَاءِ مَنِ ادَّعَى تَوَاتُرَ مَعْنَاهَا، وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَحْرُم مُخَالَفَتُهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، بَعْدَ التَّرَوِّي وَالْفِكْرِ الطَّوِيلِ. وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِنْبَاطَاتِ وَأَقْوَاهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ وَاسْتَبْعَدَ الدِّلَالَةَ مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ (٢).
وَلِهَذَا تَوَعَّدَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أَيْ: إِذَا سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَ جَازَيْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، بِأَنْ نُحْسِّنَهَا فِي صَدْرِهِ وَنُزَيِّنَهَا لَهُ -اسْتِدْرَاجًا لَهُ -كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٤]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصَّفِّ: ٥]. وَقَوْلُهُ ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٠].
وَجَعْلَ النَّارَ مَصِيرَهُ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْهُدَى لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَّا إِلَى النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ] (٣)﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢، ٢٣]. وَقَالَ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٣].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾
(١) زيادة من أ.
(٢) انظر: كلام الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة (ص ٤٧١) في إثبات حجية الإجماع ومناقشة الخصوم.
(٣) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٥:﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ْ﴾
أي : ومن يخالف الرسول ﷺ ويعانده فيما جاء به ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ْ﴾ بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ْ﴾ وسبيلهم هو طريقهم في عقائدهم وأعمالهم ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ْ﴾ أي : نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فجزاؤه من الله عدلاً أن يبقيه في ضلاله حائرا ويزداد ضلالا إلى ضلاله.
كما قال تعالى :﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ْ﴾ وقال تعالى :﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ْ﴾
ويدل مفهومها على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله واتباع رسوله ولزوم جماعة المسلمين، ثم صدر منه من الذنوب أو الهّم بها ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه بل يتداركه بلطفه، ويمن عليه بحفظه ويعصمه من السوء، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام :﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ْ﴾ أي : بسبب إخلاصه صرفنا عنه السوء، وكذلك كل مخلص، كما يدل عليه عموم التعليل.
وقوله :﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ْ﴾ أي : نعذبه فيها عذابا عظيما. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا ْ﴾ أي : مرجعا له ومآلا.
وهذا الوعيد المرتب(١)  على الشقاق ومخالفة المؤمنين مراتب لا يحصيها إلا الله بحسب حالة الذنب صغرا وكبرا، فمنه ما يخلد في النار ويوجب جميع الخذلان. ومنه ما هو دون ذلك، فلعل الآية الثانية كالتفصيل لهذا المطلق.
وهو : أن الشرك لا يغفره الله تعالى لتضمنه القدح في رب العالمين وفي وحدانيته وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات.
فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى شيء بل ليس له إلا العدم. عدم الوجود وعدم الكمال وعدم الغنى، والفقر من جميع الوجوه.
وأما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفره برحمته وحكمته، وإن شاء عذب عليه وعاقب بعدله وحكمته، وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أن إجماع هذه الأمة حجة وأنها معصومة من الخطأ.
ووجه ذلك : أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، و ﴿سبيل المؤمنين ْ﴾ مفرد مضاف يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته - فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ْ﴾
ووجه الدلالة منها : أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه فهو مما أمروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء فهو مما نهوا عنه فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس ْ﴾ فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا أي : عدلا خيارا ليكونوا شهداء على الناس أي : في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة لكونهم عالمين بما شهدوا به عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين في شهادتهم ولا عالمين بها.
ومثل ذلك قوله تعالى :﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ْ﴾ يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه بل اتفقوا عليه أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة فلا يكون مخالفا.
فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، ولهذا بيَّن الله قبح ضلال المشركين بقوله :{ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا...
١ - في ب: المترتب..

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿١١٥، ١١٦﴾ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾.
أي: ومن يخالف الرسول ﷺ ويعانده فيما جاء به ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وسبيلهم هو طريقهم في عقائدهم وأعمالهم ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فجزاؤه من الله عدلا أن يبقيه في ضلاله حائرا ويزداد ضلالا إلى ضلاله.
كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
ويدل مفهومها على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله واتباع رسوله ولزوم جماعة المسلمين، ثم صدر منه من الذنوب أو الهّم بها ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه بل يتداركه بلطفه، ويمن عليه بحفظه ويعصمه من السوء، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: بسبب إخلاصه صرفنا عنه السوء، وكذلك كل -[٢٠٣]- مخلص، كما يدل عليه عموم التعليل.
وقوله: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي: نعذبه فيها عذابا عظيما. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: مرجعا له ومآلا.
وهذا الوعيد المرتب (١) على الشقاق ومخالفة المؤمنين مراتب لا يحصيها إلا الله بحسب حالة الذنب صغرا وكبرا، فمنه ما يخلد في النار ويوجب جميع الخذلان. ومنه ما هو دون ذلك، فلعل الآية الثانية كالتفصيل لهذا المطلق.
وهو: أن الشرك لا يغفره الله تعالى لتضمنه القدح في رب العالمين وفي وحدانيته وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات.
فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى شيء بل ليس له إلا العدم. عدم الوجود وعدم الكمال وعدم الغنى، والفقر من جميع الوجوه.
وأما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفره برحمته وحكمته، وإن شاء عذب عليه وعاقب بعدله وحكمته، وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أن إجماع هذه الأمة حجة وأنها معصومة من الخطأ.
ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، و ﴿سبيل المؤمنين﴾ مفرد مضاف يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته - فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه فهو مما أمروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء فهو مما نهوا عنه فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا أي: عدلا خيارا ليكونوا شهداء على الناس أي: في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة لكونهم عالمين بما شهدوا به عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين في شهادتهم ولا عالمين بها.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه بل اتفقوا عليه أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة فلا يكون مخالفا.
فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، ولهذا بيَّن الله قبح ضلال المشركين بقوله:
(١) في ب: المترتب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠١ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ١١٦ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة النساء (٤) : آية ١١٤]

لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤)
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ نجواهم في العربية على معنيين:
أحدهما أنه يكون لما يتناجون به ويتداعون إليه. إذا كان على هذا «فمن» في موضع نصب لأنه استثناء ليس من الأول، أي لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير، ويجوز أن يكون «من» في موضع خفض، ويكون التقدير: إلّا في نجوى من أمر بصدقة، والمعنى الآخر أن النجوى تكون الجماعة المفردين فيكون (من) هذا في موضع خفض على البدل، وفي موضع نصب على قول من قال: ما مررت بأحد إلّا زيدا، ونجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه أي خلصته وأفردته والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله كما قال: [البسيط] ١٠٥-
فمن بنجوته كمن بعقوتهوالمستكنّ كمن يمشي بقرواح «١»
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ شرط. ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مفعول من أجله وهو مصدر وجواب الشرط. فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً حذفت الضمة من الياء لثقلها، ويجوز أن يؤتى به على الأصل في الشعر.

[سورة النساء (٤) : آية ١١٥]

وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ جزم لأنه شرط وظهر التضعيف لأن القاف الثانية في موضع سكون وإنما كسرت لئلا يلتقي ساكنان. قوله نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى جواب الشرط، وإن شئت حذفت الياء وتركت الكسرة تدلّ عليها، وإن شئت ضممت وأثبت الواو، وإن شئت حذفتها. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا علله. فأما إسكان الهاء فلا يجوز لخفائها وكذا وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً نصب على البيان.

[سورة النساء (٤) : آية ١١٧]

إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧)
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً مفعول وكذا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً قال أبو رجاء عن الحسن قال: كان في كل حيّ صنم يقال له أنثى بني فلان فقال الله جلّ
(١) الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص ١٥، ولسان العرب (قرح) و (نجا)، وكتاب العين ٣/ ٤٤، ومجمل اللغة (نجو)، وديوان الأدب ٢/ ٧٣، وتهذيب اللغة ١١/ ٢٠١، وتاج العروس (قرح)، وأمالي القالي ١/ ١٧٧، ولأوس بن حجر في ديوانه ص ١٦، والشعر والشعراء ٢١٤، والأغاني ١١/ ٧٥، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٣٩٨، والمخصص ٩/ ١٠٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١١٦ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...﴾ الآية، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [١٠٥-١١٦].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾ الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.

القراءات في الآية ١١٦ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

فَقَدْ ضَلَّ

إدغام الدال في الضاد

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع

إظهار الدال مقلقلة

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

آيات مشابهة للآية ١١٦ من سورة النساء

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١١٦ من سورة النساء

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

٣ أقوال
١
قال عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك-: إنّ هذه الآية نزلت في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله، إنِّي شيخ مُتَهَتِّك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئًا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليًّا، ولم أُواقِع المعاصي جرأة على الله، وما توهمتُ طرفة عين أني أُعْجِز الله هربًا، وإني لَنادم تائب مُسْتَغْفِرٌ، فما حالي؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٣‏/‏٣٨٦، والبغوي في تفسيره ٢‏/‏٢٨٧-٢٨٨. قال ابن حجر في الكافي الشاف ص٤٩ (٤٠٣): «وهو منقطع».
٢
قال الحسن البصري:... لَمّا أنزل الله في الأنصاري ما أنزل استحيا أن يقيم بين ظهراني المسلمين، فلحق بالمشركين؛ فأنزل الله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾. ثم استتابه الله، فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية. فلمّا نزلت هذه الآية رجع إلى المسلمين١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٤٠٦-.
٣
قال مقاتل بن سليمان:... فأنزل الله عز وجل في قولهم: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾، فلمّا قدم طعمة مكة نزل على الحجاج بن علاط السلمي، فأحسن نُزُلَه، فبلغه أنّ في بيته ذهبًا، فلما كان من الليل خرج فنقب حائط البيت، وأراد أن يأخذ الذهب، وفي البيت مُسُوكٌ١ يابسة مُسُوكُ الشّاء قد أصابها حرُّ الشمس ولم تُدْبَغ، فلمّا دخل البيتَ مِن النَّقْب وطِئَ المُسُوك، فسمعوا قَعْقَعَة المسوك في صدره عند النَقب، وأحاطوا بالبيت، ونادوه: اخرج؛ فإنّا قد أحطنا بالبيت. فلما خرج إذا هم بضيفهم طعمة، فأراد أهلُ مكة أن يرجموه، فاستحيا الحجاج لضيفه، وكانوا يكرمون الضيف، فأهزوه٢، وشتموه، فخرج من مكة، فلحق بحَرَّة بني سُلَيم يعبد صنمهم، ويصنع ما يصنعون، حتى مات على الشرك؛ فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾٣
التخريج
  1. ١المسوك: جمع مَسْكٍ، وهو الجلد. اللسان (مسك).
  2. ٢كذا في مطبوعة المصدر.
  3. ٣تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٧.

تفسير الآية

قولانِ
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، يقول: مَن يجتنب الكبائر من المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٨٥.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ يعني: يُعْدَل به، فيموت عليه، ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ يعني: ما دون الشرك لمن يشاء، فمشيئته لأهل التوحيد، ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل﴾ عن الهدى ﴿ضلالا بعيدا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٧.
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١٦ من سورة النساء

١٠ وقفات في هذه الآية

  • مجالس في تدبر القران سورة النساء تدبر أية 116

    — خالد السبت

  • مجالس في تدبـــــر القرآن

    — خالد السبت

  • الشِّرك بالله تعالى أظلمُ الظلم وأنكر المنكرات وأعظم الذنوب.حيث يُسَوَّى المخلوقُ الضعيف العاجز الفقير بالإله القدير الغني الحميد.

    — إبراهيم الحميضي

  • {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ...،} الشرك لا يغفره الله، لذلك تحرى الإخلاص في عملك واحرص ألا تقع في الشرك الخفي.

    — مجالس التدبر

  • قوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به} ختم الآية مرة بقوله {فقد افترى} ومرة بقوله {فقد ضل} لأن الأول نزل في اليهود وهم الذين افتروا على الله ما ليس في كتابهم والثاني نزل في الكفار ولم يكن لهم كتاب فكان ضلالهم أشد...

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • مسألة: قوله تعالى: (ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) وقال في الآية الثانية: (فقد ضل ضلالا بعيدا) ؟ . جوابه: أن الآية الأولى نزلت في اليهود، وتحريفهم الكلم افتراء على الله، وقولهم: (عزير ابن الله) - فناسب ختم الآية بذكر الافتراء العظيم. والآية الثانية تقدمها قوله تعالى (وما يضلون إلا أنفسهم) ، فناسب ختمها بذلك، ولأنها في العرب وعباد الأصنام بغير كتاب، وبعد ذكر طعمة ابن وبيرق وارتداده، فهم في ضلال عن الحق بعيد، والكتب المنزلة

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون (159)إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين(161)}[البقرة:159-161]. لو وقفنا أما هذه الآيات العظيمات متدبرين فيها لخرجنا منها بفوائد بديعة، منها: الفائدة الأولى: أن الله تعالى عبر عن الكاتمين لما أنزله من البينات والهدى ، عبر عنهم بالفعل المضارع، فقال: {يَكْتُمُونَ}، ومن المعلوم أن الفعل المضارع يدل على الزمن المحاضر والمستقبل ، فالفعل{يَكْتُمُونَ} إذاً يدل على أن اليهود في الوقت الحاضر كاتمون للبينات والهدى، ولو وقع التعبير بلفظ الماضي لتوهم السامع أن الحديث عن قوم مضوا ، وليس عن قوم حاضرين، فيخرج حينئذ عن دائرة المذمومين يهود عصر التنزيل والعصور التالية له، وهذا غير مراد؛لأن صفات اليهود لا تتغير ، فالتعبير بالفعل المضارع يدل على تجدد الكتمان منهم ، فبقاؤهم عليه تجدد له. الفائدة الثانية: قال الله تعالى:{ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ} والجملة خبر لـ(إن)، هي جملتان : كبرى وصغرى، فالصغرى جملة الخبر الفعلية{ يَلعَنُهُمُ اللّهُ}، والكبرى الجملة الاسمية: { أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ}، والتعبير بالجملتين ذو دلالة مزدوجة ،فهو بالجملة الاسمية يدل على ثبوت لعن الله ودوامه، وبالجملة الفعلية يدل على تجدد لعن الله لهم كلما تجدد كتمانهم، فهم يكتمون ، والله يلعنهم ، أي : يطردهم من رحمته. والإشارة بـ{أُولَـئِكَ}التي تدل على البعد للدلالة على بعدهم بالإفساد، وإفراطهم فيه، ثم أن الإشارة لا تكون إلا للمشاهد، ومع ذلك أشار بها إلى صفاتهم، وهي لا تشاهد؛ وذلك لأن وصفهم بتلك الصفات جعلهم كالمشاهدين للسامع. الفائدة الثالثة: في تكرار { يَلعَنُهُمُ}في قوله: { وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون} مع إمكان أن يقال: (أولئك يلعنهم الله واللاعنون) ؛ وذلك لأن معنى اللعن في الثانية مختلف عنه في الأول، فإن اللعن من الله الطرد والإبعاد من رحمته ، واللحن من غيره الدعاء على الملعون بذلك ، فلاختلاف معنى اللعن تكرر الفعل، والله أعلم. الفائدة الرابعة: قوله:{ اللاَّعِنُون} هذا الوصف المعرف بالألف واللام يشعر بأن هنالك قوما شغلهم الشاغل هو اللعن، وليس الأمر كذلك ؛ فما هناك من أحد متخصص باللعن، فيوصم به، إنما المراد هنا الذين يمكن أن يصدر منهم اللعن كالملائكة والصالحين الذين ينكرون المنكر، ويغضبون لله تعالى، ويطلعون على كتمان من يكتم آيات الله، فهم يلعنونهم لذلك ، فكأنهم اختصوا بذلك. الفائدة الخامسة: اختلف النحاة في نوع الاستثناء في قوله: { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ }، أمتصلٌ هو أم منقطعٌ؟. ومعلوم أن الاستثناء المتصل: هو ما كان المستثنى فيه بعضاً من المستثنى منه، والاستثناء المنقطع: هو ما لم يكن فيه المستثنى جزءا من المستثنى منه. فمن قال في هذه الآية: إن الاستثناء متصل، أراد أنه مستثنى التائبين ممن يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون. ومن قال: إن الاستثناء في هذه الآية منقطع جعل التائبين من غير الملعونين؛ لأنهم يرون أن من يلعنه الله لا يتوب عليه. الفائدة السادسة: قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ }، عبر عن كفرهم بالفعل الماضي الذي يدل على ثبوت الكفر منهم ، ثم أردفه بالإخبار عن موتهم على حالة الكفر، وهذا الصنف من الناس لا توبة لهم ، ولا يغفر لهم الله ؛ لأنه تعالى يقول:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}[النساء:116]،ولذلك عبر عن جزائهم بجملة اسمية تدل على الثبوت والدوام، وليس فيها استثناء ، فقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين}، وتأملوا كيف عبر الله عن جزاء من يكتم آيات الله بقوله:{ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ الله ويلعنهم اللاَّعِنُون}، فاللعن عليهم غير دائم ؛ إمكان أن يتوبوا ، فيرضى الله عنهم ، فهو حديث عن أحياء. أما الآية الكريمة الأخيرة فقد عبر فيها عن جزائهم بثبوت لعنة الله عليهم ودوامها، وكذلك لعنة الملائكة والناس أجمعين؛ لأنهم ماتوا على الكفر، فأُغلق دونهم باب التوبة، فالحديث عن هالكين.

    — صالح العايد

  • ( فقد افترى إثمًا عظيمًا ) في شأن اليهود الذين افتروا على الله أموراً كثيرة جاء قبلها ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) وجاء بعدها ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) . - ( فقد ضل ضلالا بعيدًا ) وهؤلاء هم الكفار ، جاء قبلها ( ومن يشاقق الرسول ) وجاء بعدها ( إن يدعون من دونه إلا إناثا ) .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • برنامج لمسات بيانية قال تعالي في سورة النساء : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء : 48 ] . وقال في سورة النساء أيضا : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } [ النساء : 116 ] . سؤال : لماذا ختم الآية الثامنة والأربعين لقوله : { فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } , وختم الآية الأخري بقوله : { فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } ؟ الجواب : إن الآية الثامنة والأربعين في الكلام علي أهل الكتاب , وفي سياق ارتكاب الآثام . وأهل الكتاب مطلعون علي ما أنزل الله من التوحيد , ومن يشرك بالله فقد افتري إثما علي الله . ثم إن السياق فيها في ارتكاب الآثام , فقد جاء قبل الآية الكلام علي أهل الكتاب , قال تعالي : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ [44].... مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ .... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً [47] إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ .... انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً [50] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً .... } [ النساء : 44 – 51 ] . فقد ذكر أنهم يشترون الضلالة , وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه , ويقولون : سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع , وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين . وقال : إنهم يفترون علي الله الكذب , وكفي به إثما مبينا . وقال : إنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت , ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدي من الذين آمنوا سبيلا , وغير ذلك . وهذه كلها آثام , فناسب ذلك فاصلة الآية . وأما الآية الأخري ففي أناس لم يعلموا كتابا ولا عرفوا وحيا , وهي في سياق الضلال , فقد قال قبل الآية : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } [ النساء : 115 ] . ونفيض الهدي الضلال , فالذي يشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدي إنما هو ضال . وقال بعد ذلك علي لسان الشيطان : { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ... } [ النساء : 119 ] . فناسب المقام قوله : { فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } . جاء في ( روح المعاني ) : " إنما جعل الجزاء علي ما قيل هنا : { فَقَدْ ضَلَّ ... } وفيما تقدم : { فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } لما أن تلك كانت في أهل الكتاب , وهم مطلعون من كتبهم علي ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول – صلي الله عليه وسلم - , ووجوب أتباع شريعته , وما يدعو إليه من الإيمان بالله تعالي , ومع ذلك أشركوا وكفروا , فصار ذلك افتراء واختلافا وجراءة عظيمة علي الله تعالي . وهذه الآية كانت في أناس لم يعلموا كتابا , ولا عرفوا من قبل وحيا , ولم يأتهم سوي رسول الله – صلي الله عليه وسلم – بالهدي ودين الحق فأشركوا بالله عز وجل , وكفروا وضلوا مع وضوح الحجة , وسطوع البرهان , فكان ضلالهم بعيدا ولذلك جاء بعد ذلك : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } وقوله سبحانه : { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ } . وجاء يعد هذه الآية : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً } [ النساء : 117 ] "

    — فاضل السامرائي

  • ( فقد ضل ضلالاً مبيناً ) الأحزاب ( فقد ضل ضلالاً بعيداً ) النساء - أربع مرات - المبين : هو البين الواضح . - وهذه الفاصلة جاءت في سياق معصية الرسول عليه الصلاة والسلام ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ) وذلك في قصة زواج زيد بن حارثة ، ومعصية الرسول في هذه الآية ليس فيها خروج عن الإسلام . - وأما قوله ( فقد ضل ضلالاً بعيداً ) : ففي هذه الآيات الأربع كلها تتحدث عن خروج كامل عن الإسلام ألا ترى ( ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ) ( ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً ) ( ومن يكفر بالله و ملائكته وكتبه و رسله و اليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً ) ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً ) - فالضلال البعيد هو الذي خرج بصاحبه عن الإسلام .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

الناسخ والمنسوخ في الآية ١١٦ من سورة النساء

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾

وقوله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يغفرُ أن يُشْرَك بهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لمن يشاء﴾ يَدُلُّ على جواز توبةِ القاتل وجواز غُفْرانِ الله له.
ولا يَحْسُنُ أن يكون هذا ناسخاً لقوله: ﴿ومَنْ يَقْتُلْ مؤمنًا متعمدًا﴾ [النساء: ٩٣]. الآية - لأنه خبر والأخبار لا تنسخ.
وكذلك لا يَحْسُنُ أن يكونَ قولُه: ﴿إنّ اللهَ لاَ يغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ منسوخًا بقوله: ﴿ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ -الآية - لأنه أيضاً خبر وفي نسخه(نقضُ عَفْوِه) المسلمين، ولم يدِّعه أحدٌ، ولا يَحِلّ القول به.
قال أبو محمد: والذي يوجِبُه النَّظَر وعليه أكثرُ أهل العِلم أن الثلاث الآيات محكماتٌ لا نسخ في شيءٍ منها:
فقوله: ﴿إنّ اللهَ لاَ يغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ - الآية - مُحْكَمٌ غير منسوخ؛ لأن الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ لمن مات عليه بإجماع ولأَِنَّه خبرٌ لا يُنْسَخ.
وقولُه: ﴿ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ معارضٌ لقوله: ﴿ومَنْ يقتل مؤمنا مُتَعَمِّداً﴾ - الآية - فلا بدّ من أن يكونَ أَحَدُهُما ناسخاً لِلآخر. أو يكونا مُحْكَمَيْن:
فغيرُ جائز أن ينسخَ أَحدُهُما الآخرَ؛ لأَِنّ كُلَّ واحدٍ منهما خبرٌ مِن الله لنا بأحكامِه فينا يومَ القيامة، وإخبارُ الله لنا بذلك لا يجوز أَن يُنْسَح؛ لأنفي نسخه إبطالَ الأخبار كُلِّها.
وإذا لَم يَجُز أن ينسخَ أَحدُهما الآخرَ، وجب أن يكونا مُحْكَميْن، ولا يكونان مُحكمين مع تعارض أحدهما الآخر في ظاهر اللّفظ إلاّ (بحمل) آيةِ القتل على أحد المعاني الثلاثة التي ذكرنا. وإذا حُمِلَت على أحدها لم يبقَ تعارضٌ بين الحكمين وصارا إلى الاتفاق ولم(يحتج) إلى تأويل نسخ.
وكذلكَ إذا حملْتَ آيةَ القتل في النساء على أحد المعاني الثَّلاثةِ لمتعارِض آيةَ الفرقان بنسخٍ ولا باختلافِ حُكْم.
فالثلاثُ الآياتُ محكماتٌ لا نسخ في شيء منهن.
وإذا كانت كذلك فتوبةُ القاتل متعمداً جائزة.
ومما يَدُلُّ على جواز قبول توبة القاتل متعمّداً:
قوله تعالى: ﴿إنّ الذِين كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ثُمّ مَاتُوا وهُمْ كفار فلن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم﴾ [محمد: ٣٤] فالمفهوم من هذا أن من مات غيرَ كافرٍ، في مشيئة الله يغفر ذنوبه، إن شاء الله. والآية مدنية. ولو كان من مات من أهل الكبائر غيرَ كافر لا يجوز أن يغفر الله ذنوبه لم يكن بينه وبين الكافر يموت على كفره فرق.
ويدلّ على ذلك أيضاً قوله (تعالى عن) عيسى - عليه السلام -:﴿إنّهُ مَن يُشْرِكْ باللهِ فَقَد حَرَّمَ اللهُ عليهِ الجنّةَ﴾ [المائدة ٧٢]، فَدَلَّ على أنه من مات ولم يُشْرِكْ بالله لا يُقطَعُ عليه بتحريم الجنة، وهو في مشيئة الله.
وقد قال - تعالى ذكره - ﴿وإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وآمَنَ وعمل صالحا﴾ [طه: ٨٢] - الآية - فهذا عام.
وقال: ﴿إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣]، يعني للمؤمن. فهذا أيضا عام.
خصّصهُ: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَك به﴾.
وقال تعالى: ﴿وهوَ الّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَن عِبَادِه وَيَعْفُوا عن السيئات﴾ [الشورى: ٢٥]. فَعَمّ.
وقال: ﴿فَمَن يَعْمَل مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِه﴾ [الأنبياء: ٩٤]فعمّ.
وقال: ﴿فمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] فعمّ.
وهي كُلُها أخبارٌ عامة لا يجوز نسخُها، فلا بُدَّ مِن وقوعها على ما وصفها الله به.
وقد قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾ [النساء: ٤٠].
فكيفَ يُحبِطُ توحيدَ القاتل، والتوحيدُ أَعظمُ الأعمال وأصلُها.
ولم يخبر الله أن شيئاً من الأعمال السيئة تحبط الإِيمانَ إلا الشِّرك، بقوله: ﴿لئن أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ [الزمر: ٦٥].
وقد قال الله - جلّ ذكره -: ﴿إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات﴾ [هود: ١١٤] (ولا حسنة بعد) التوحيد أعظم من التوبة.
وقد أعلمنا الله - جلّ ذكره - (أنه رحم) القاتل متعمداً وخفف عنه إذ أجاز له أن يُبْدِلَ الدِّيَةَ عن قتله، فقال: ﴿ذَلِكَ تخفيفٌ مِن ربكم ورحمة﴾ [البقرة: ١٧٨]، (فهل يرحَمُ الله) ويُخَفِّفُ عنه ما لَزِمَه إلاّ من يجوز قبول التوبة له.
وقد قال الله - جلّ ذكرُه -: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فجعل الله القاتلَ عمداً ووليَّ المقتول أَخَوَيْن في الدِّين، ولم يجعل القاتلَ عمداً كافراً، بل جعله مؤمناً إِذْ آخى بينَه وبين الوليِّ المؤمن.
وقد قال النبي - عليه السلام -: "اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". والقتل عمداً من الكبائر.
وقال أنس بن مالك: قلنا يا رسول الله، لمن تشفع؟ قال: "لأهل الكبائر وأهل العظائم وأهل الدماء".
وأيضاً فإن الله - جلّ ذكره - لم يذكر مع جزاء القاتل تخليدَ الأبد، إنما أفرد ذكرَ التخليد بغير أبد. فَدَلَّ على أنه وإن دخل النارَ غيرُ مؤبد فيها.
وقد سُئِل مالكٌ عن رجلٍ قتل أُخْتَه مُتَعَمِّداً لِحَدَثٍ أحدثَتْهُ فقال: يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويَتَقَرَّبُ إلى الله (بما) استطاع من خير ويكثر الاستغفار.
فلو كان عنده غيرَ مقبول التوبة ما أمره بهذا.
وقد روى مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - عليه السلام - قال: "من لَقِيَ اللهَ لم يشرك به شيئاً لم يضره معه خطيئة، ومن لقيه يشرك به شيئاً لم ينفعه معه حسنة".
وقال جماعةٌ من العلماء: يؤمر التائبُ من القتل أن يُكثِرَ الجهادَ ويبذل نفسه فيه لله. وروي مثله عن مالك.
فهذا يدلُّ على الرجاء له وأنه لا يؤيس من عفو الله.
ومن زعم أن القاتل عمداً لا توبةَ له جعل هذه الآيات كُلَّها منسوخات. وهي كلُّها أخبار.
وفي نسخها إبطالُ الديانات كُلِّها؛ لأنّ مَن جعل أن القاتل لا توبةَ له وأنه مؤبد (في النار)، فقد أوجب أن إيمانَه وسعيه وتوبته (مُحبَط) كله مع قوله: ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِه﴾ [الأنبياء: ٩٤]، ومع قوله: ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً﴾ [الأنبياء: ٤٧].
ومِمَّا يُبَيِّنُ قَبولَ توبة القاتل أن الله - جلّ ذكرُه - قد قال في الفارِّ من الزحف: ﴿وَمَن يُوَلِّهم... فقد باءَ بِغَضَبٍ مِن الله ومأواه جهَنَّم﴾ [الأنفال: ١٦] ولم يختلف أَحدٌ مِن أهلِ القبلَةِ أن توبةَ الفارِّ من الزحف جائزةٌ وأنه داخلٌ تحت قوله: ﴿وَيَغْفرُ ما دونَ ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
وقد قال شيخُنا أبو محمد عبد الله بن أبي زيد - رحمه الله عليه -: أن مما اجتمعَت عليه الأمة من أُمور الديانة، ومِن السُّنن التي خلافُها بدعة وضلالة ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بهِ وَيَغْفِرُ مَا دونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾، فقد دخل تحت هذا الإِجماع الذنوبُ كُلُّها من القتل وغيره.
وأيضاً فقد أجمعَ أهل السنّة أنه لا تخليد على مؤمنٍ، وأنه لا يزيل الإيمان إلا الكفرُ، ورفعُ الصوت على صوت النبي صلى الله عليه وسلم متعمداً.
وأيضاً فإن جواز توبة القاتل عمداً غيرَ مُسْتَحِلٍّ للقتل قولُ ابن عمر وزيد بن ثابت ومجاهد وجماعة معهم.
وقد أجمع المسلمون أن الشركَ والارتدادَ أعظمُ من القتل متعمّداً. وأن المؤمن إذا ارتدَّ ثم تابَ قُبِلَت توبتُه و(أنه) إذا ارتدّ وقَتَل مؤمناً متعمدًا مستحلًا لقتله ثم آمن وتاب أنه مقبولُ التَّوبة، لقوله تعالى: ﴿قُل للذين كفروا إن ينتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَا قَدْ سَلَف﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولقوله: ﴿إنّ اللهَ يغفِرُ الذنوب جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فكذلك إذا قَتَل - وهو مؤمن - وتاب قُبِلَت توبتُه، (في ما)بينَه وبينَ الله، وحَقُّ المقتول يفعلُ الله فيه ما يشاء.
وقد رُوِيَ عَن ابن عباس أنه قال - في الآية التي في الفرقان - نَزَلَت في أهل الشرك ولا توبةَ للقاتل مُتَعَمِّداً.
وكان الطبريُّ يقول: جزاء القاتل جهنم حقاً، ولكنَّ الله (يغفرُ)ويتفضَّلُ على أهل الإِيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، إما أن(يغفرَ) فلا يُدخلهم جهنم، وإما أن يدخلَهم النارَ، ثم يخرجهم بفضل رحمته لقوله: ﴿إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جمِيعاً﴾. وهذا خبر عام فيه تخصيص الشرك، ولا يجوز نسخُه.
فإن قيل: هلاّ جعلتَ آيةَ القتل مخصِّصةً لقوله: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بهِ﴾ كأنها مستثناة منها؟.
قيل: لو جاز هذا لجاز أن تكونَ آيةُ الزحف والفرار منه مخصِّصة أيضًا مستثناة منها. وآية أكل مال اليتيم مخصصة مستثناة منها. وآية الربا مخصصة مستثناة منها. فيدخلن تحت ترك المغفرة وترك قبول التوبة من ذلك كله. وهذا لا يقولُه أحد.
قد أجمع الناسُ على قبول التوبة من ذلك كُلِّه.
وإذا لم تكن هذه الأشياءُ مخصِّصةً مستثناة من قوله: ﴿إنّ اللهَ لا يغفر أن يُشْرَكَ بهِ﴾ لم تكن آيةُ القتل مخصِّصة مستثناة.
وأيضاً فإن قوله: ﴿إنّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَك بهِ﴾ مَتْلُوٌّ بعد آية القتل في سورة واحدة ولم يقع في القرآن أَوَّلٌ خَصَصَّ آخراً في سورة واحدة فيكون هذا مثلَه.
وحديث النبي - عليه السلام - المتواتر النقل: (اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).
مما يرجي القاتل ويطمِعُه لأنه من أهل الكبائر، وقد (عمّ في) قوله: (لأهل الكبائر من أمتي)] ولم (يخصَّ) صنفاً منهم من صنف.
ومما يؤيد أن القاتل يرجى له التوبةُ ما ذكره ابن شعبان مما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: إن الآيةَ محكمةٌ إلا أنه قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أو يَظْلِمْ نَفسَه ثُمّ يَسْتَغْفِر الله يَجِد اللهَ غفورًا رحيما﴾ [النساء: ١١٠]، قال: فلو كانت ذنوبه أعظمَ من السموات والأرض والجبال، يريد لجاز أن يغفرها الله.
قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى مغفرته مَن زعم أن عُزَيراً ابنُ الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أنّ يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله (ثالث ثلاثة) يقول الله لهؤلاء): ﴿أفَلاَ يَتُوبُونَ إلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رحيم﴾ [المائدة ٧٤].
قال ابن عباس: وقد دعا (الله إلى توبته) مَن هو أعظم جرماً من هؤلاء، من قال: ﴿أنا ربُّكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقد قال: ما ﴿عَلِمْتُ لكممِن إلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قال: ومن أيأس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه، قال الله: ﴿ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
قال ابن عباس: وكما لا ينفعُ مع الشِّرك إحسان كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوبَ الموحدين. قال ابن عباس: مع قول النبي - عليه السلام -:"لو وضعت لا إله إلاّ الله في كفة الميزان ووضعت السموات والأرض وما فيهنّ في كفة أخرى لرجَحَت بهن".
وقد قال ابنُ عمر: كنّا معشرَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نشك في قاتل المؤمن وأكل مال اليتيم وشاهد الزور وقاطع الرحم، يعني: لا نشك في الشهادة لهم بالنار. قال ابن عمر: حتى نزلت: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يشرك بهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾.
فأمسكنا عن الشهادة لهم، يعني بالنار.
وقد قال جماعة: إن آية القاتل منسوخة بقوله: ﴿ومَن يَعْمَلْ سوءاً أويظلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾، فعمَّ جميعَ الذنوب المكتسبة، وأخبر أن الله يغفرُ للمستغفر ومنها ويتوبُ الله على التائب.
قال أبو محمد: وقد روي في قتل النفس من الشِّدَة وترك المغفرة والخلود في نار جهنم أخبارٌ كثيرة - الله أعلم بصحتها -:
روي عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كُلُّ ذنب عسى الله أن يغفرَه إلا من مات كافراً، أو قتل مؤمناً متعمَّداً".
وقد سأل رجلٌ ابنَ عمر فقال إني قتلت نفساً فهل لي (عند الله) من توبة؟ فقال له ابنُ عمر: أَكْثِرْ من شرب الماء البارد. قال مالك: يريد أنه من أهل النار - رواه ابن القاسم عن مالك -.
وقد روي أن رجلاً سأل أبا هريرة وابنَ عمر وابنَ عباس عن رجل قتل رجلا مؤمناً متعمداً: هل له توبة؟ فكُلُّهم يقول: هل يستطيع أن يحيِيَه؟‍! يريدون بذل كالتشديد عليه.
قال أبو محمد: وقد أجمع المسلمون على أن من كفر بالمواريث ثم تاب أن توبته مقبولَة مع قوله تعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَه ويتعَدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها ولَهُ عَذَابٌ مُهِين﴾ [النساء: ١٤].
وقد سأل ابنُ عباس عمروَ بنَ العاص، فقال له: أيُّ آيةٍ في كتاب الله أرجى؟؟ فقال له عمرو: قوله: ﴿إنّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرَكَ بهِ﴾- الآية - فقال ابنُ عباس: إنّ هذه لمرجُوَّة، ولكن غيرها أرجى منها: قوله عز وجل: ﴿وإن رَبَّكَ لذُو مَغْفِرةٍ للنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ ولم يقل على إحسانهم.
وقال جعفر بن محمد: أرجى آيةٍ (في القرآن): ﴿وَلَسَوْفَ يعطيك ربك فَتَرْضَى﴾ وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يرضى أن يكون أحد من أمته مقيماً في النار.
قال أبو محمد: والذي نعتقده أن كل من مات مؤمناً غير كافر بالله ولا برسله ولا بكتبه، فهو في مشيئة الله، تاب من كبائره قبل موته أو لم يتب، بدَلالة قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وماتوا وهم كفارٌ فلن يغفرَ الله لهم﴾. ولهذا نظائر كثيرة في القرآن يدل على صحة ما قلناه ويوضحه.
وقد روى جابرُ بنُ عبد الله أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً وجبت له النار" - الحديث بطوله -.
قولُه تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦].
قال ابنُ عمر: لما أنزلت: ﴿قُل يا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] إلى قوله: ﴿إنَّ اللهَ يغفرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] قام رجل إلى النبي فقال: والشركَ يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ﴾- الآية - قال مالك: فكان قوله: يغفر الذنوبَ جميعاً: إنه ما دون الشرك، قلت: فدخل قتل المؤمِن (المؤمنَ) تحت هذا العموم.
وروي عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية، وتلا قبلها: ﴿وَلَيْسَت التوبة للذين يعْمَلُونَ السيِّئَات﴾ [النساء: ١٨] - الآية - فتأوَّل عليه: أَنَّ هذا منسوخٌ بقوله:﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ﴾، وأن من (تاب قبل موته) قُبِلَت توبتَه.
قال أبو محمد: وهذا إنما يجوز على قول من قال: إن قوله:﴿حتَى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٨] - الآية - في المؤمنين، فالتوبة منهم جائزة ما لم يقع الموتُ، لقوله: ﴿وَيَغفرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾.
قال أبو محمد: وهذا خبر لا يحسنُ فيه النَّسخ، والآية في الكفار، لا تنفعهم التوبةُ من الكفر عند معاينة الموت، كما أعلمنا الله أنه لم يقبل إيمان فرعون عند معاينته الغرقَ، وأعلمنا الله أنه لم يقبل إيمانَ الكفار عند (معاينة) العذاب، فقال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفعُهم إيمانُهُمْ لمَّا رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٥] فهي محكمة.
وقد تقدم ذكر هذه الآية وقولُ من قال إنها عامة في (المؤمن والكافر) وأن المؤمن نُسِخَ منها بقوله: ﴿ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمن يشاء﴾، قال ابن عمر: الحضور: السّوْق.
وعن النبي - عليه السلام - أنه قال: "يقبل الله توبة عبده ما لم (يغرغر)" نفسه.
وقوله بعد ذلك: ﴿ولاَ الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار﴾ [النساء: ١٨] يَدُلُّ على أن الأول في الكفار.
وأيضاً أخبرنا الله (أنه) من تاب من كفره عند المعاينة والسّوْق (لا يقبل الله توبتَه)، ولا من مات وهو كافر لم يَتُب.
وقد روي عن ابن عباس إطلاقُ اسم النسخ في قوله: ﴿حتَّى إذا حضر أحَدَهُم المَوْتُ﴾ [النساء: ١٨] - الآية - بقوله: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ - الآية - وقال: حرَّم الله المغفرةَ على من مات وهو كافر، يريد بقوله: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ﴾. قال(وأرجأَ) أهلَ التوحيد إلى مشيئته، ولم يؤيسْهُم من مغفرته، يريد بقوله:﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وهذا يدل على جواز توبة القاتل عمداً غيرَ مستَحِلٍّ لأنه من أهل التوحيد.
قال أبو محمد: والذي أقوله في هذه الآية وفي التي قبلها: إن الذنوب المكتسبةَ على نوعين:
نوع هو ما بين العبد وبين ربه خاصَّة.
ونوع ثانٍ يقع بين العبد وبين الآدميين، ولله (أيضاً فيه حقُّ عقوبة مخالفته).
فما كان بين العبد وبين ربِّه من الذنوب، فهو موقوفٌ على قوله تعالى:﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأعلمنا - تبارك وتعالى - أنه يغفر الذنوبَ كُلَّها التي بينه وبين العباد لمن يشاء منهم إلا الشرك به فإنه لا يغفره لأحد.
وأَعْلَمَنا أن من قتل مؤمناً متعمداً أنه من المخلدين في النار وعليه الغضب واللَّعْنةُ و(هو) من الذنوب التي بين بعض العباد وبعض، ولله فيه حق (عقوبة) المخالفة له.
فالآيتان مختلفتان في الحكم، نزلتا في صنفين من الذنوب لا تنسخ إحداهُما الأخرى.

فتاوى متعلقة بالآية ١١٦ من سورة النساء

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١١٦ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(116) Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال