زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾ ﴿إن﴾ بمعنى :" ما " و﴿يدعون﴾ بمعنى : يعبدون. والهاء في ﴿دونه﴾ ترجع إلى الله عز وجل. والقراءة المشهورة إناثا. وقرأ سعيد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء : إلا وثنا، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين : أنثا، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك : أناثا، برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو السوار العدوي، وأبو شيخ الهنائي : أوثانا، بهمزة مفتوحة بعدها واو وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو هريرة، والحسن، والجوني : إلا أنثى، على وزن " فعلى ". وقرأ أيوب السختياني : إلا وثنا، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورق العجلي : أُثُنا، برفع الهمزة والثاء من غير ألف. قال الزجاج : فمن قال : إناثا، فهو جمع أنثى وإناث، ومن قال أنثا، فهو جمع إناث، ومن قال : أثُنا، فهو جمع وثن، والأصل وثن، إلا أن الواو إذا انضمت جاز إبدالها همزة، كقوله تعالى :﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]. الأصل : وقتت. وجائز أن يكون أثن أصلها : أثن، فأتبعت الضمة الضمة، وجائز أن يكون أثن، مثل أسد وأسْد.
فأما المفسرون، فلهم في معنى الإناث أربعة أقوال :
أحدها : أن الإناث بمعنى الأموات، قاله ابن عباس، والحسن، في رواية، وقتادة. قال الحسن : كل شيء لا روح فيه، كالحجر، والخشبة، فهو إناث. قال الزجاج : والموات كلها يخبر عنها، كما يخبر عن المؤنث، تقول من ذلك : الأحجار تعجبني، والدراهم تنفعني.
والثاني : أن الإناث : الأوثان، وهو قول عائشة، ومجاهد.
والثالث : أن الإناث اللات والعزى ومناة، كلهن مؤنث، وهذا قول أبي مالك، وابن زيد، والسدي. وروى أبو رجاء عن الحسن قال : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يسمونه : أنثى بني فلان، فنزلت هذه الآية.
قال الزجاج : والمعنى : ما يدعون إلا ما يسمونه باسم الإناث.
والرابع : أنها الملائكة كانوا يزعمون أنها بنات الله، قاله الضحاك.
وفي المراد بالشيطان ثلاثة أقوال :
أحدها : شيطان يكون في الصنم. قال ابن عباس : في كل صنم شيطان يتراءى للسدنة فيكلمهم. وقال أبي بن كعب : مع كل صنم جنية.
والثاني : أنه إبليس. وعبادته : طاعته فيما سول لهم، هذا قول مقاتل، والزجاج.
والثالث : أنه أصنامهم التي عبدوا، ذكره الماوردي. فأما " المريد "، فقال الزجاج :" المريد " : المارد، وهو الخارج عن الطاعة، ومعناه : أنه قد مرد في الشر، يقال : مرد الرجل يمرد مرودا : إذا عتا، وخرج عن الطاعة. وتأويل المرود : أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف، وأصله في اللغة : املساس الشيء، ومنه قيل للإنسان : أمرد : إذا لم يكن في وجهه شعر، وكذلك يقال : شجرة مرداء : إذا تناثر ورقها، وصخرة مرداء : إذا كانت ملساء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى