اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :" لَعَنَهُ الله " فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ ل " شيطاناً "، فهي في مَحَلِّ نَصْب.
والثاني : أنها مُسْتأنفةٌ : إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله :" وقال " فيه ثلاثة أوجه :
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(١) : قوله لَعَنَهُ " وقال لأتَّخِذَنَّ " صِفَتَان، يعني : شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيعِ.
الثاني : الحالُ على إضْمَار " قد " أيْ : وقد قَالَ.
الثالث : الاستئناف. و " لأتخِذَنَّ " جوابُ قسمٍ مَحْذُوف، و " مِنْ عبادك " يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من " نَصِيباً " ؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها.

فصل


النَّصِيب المَفْرُوض : أي : حظاً مَعْلُوماً(٢)، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه : فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة : ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم.
رُوِي عنه النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال :" من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان ".
فإن قيل : العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان.
أما النَّقْل : فقوله - تعالى - :﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وحُكِيَ عن الشيطان قوله ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقوله :﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون.
وأمَّا العَقْل : فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل.
فالجواب : أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْعٍ من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين.
وأيضاً : فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم ؛ فلهذا وقع اسم النَّصِيب على قَوْم إبْلِيس.
١ ينظر: تفسير الرازي ١١/٣٨..
٢ في ب: بمعنى خطان معلومان..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى