كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ؛ حكايةُ قول إبليسَ ؛ أي لأُضِلَّنَّهُمْ عن الحقِّ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ أنَّهُ لا جَنَّة ولا نارَ ولا بعثَ ولا حسابَ، ولأُريحنَّهم طولَ الحياةِ في الدُّنيا، ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ ؛ أي بتَشْقِيْقِ آذانِ الأنعَامِ ؛ وهي الْبُحِيْرَةُ التي كانوا يفعلونَها نُسُكاً وعبادةً للأوثانِ، والقطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ وقتادة والحسنُ والضحَّاك :(فَلْيُغَيِّرُنَّ دِيْنَ اللهِ) نَظِيْرُهُ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[الروم: ٣٠] أي لدينِ الله، كقولهِ :﴿فَلاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[الروم: ٣٠]. وقال عكرمةُ :(مَعْنَاهُ : فَلِيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ بالْخَصْيِ وَالْوَشْمِ وَقَطْعِ الآذانِ وَفَقْئِ الْعُيُونِ). قال مجاهدُ :(كَذبَ عِكْرِمَةُ ؛ إنَّما هُوَ دِيْنِ اللهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ ؛ أي مَن يَتَّخِذْهُ ذنَاصِراً من دون اللهِ فقد غُبنَ غُبناً ظاهراً ؛ لأنه خَسِرَ الجنَّةَ والنعيمَ الذي فيها.
فإن قيل : كيفَ عَلِمَ إبليسُ أنهُ يَتَّخِذُ من عبادِ الله نصيباً ؟ فيه أجوبةٌ ؛ منها : أنَّ اللهَ لَمَّا خاطبَهُ بقولهِ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾[هود: ١١٩] عَلِمَ إبليسُ أنهُ يَنَالُ من ذرِّيةِ آدمَ ما تَمَنَّى. ومنها : أنه لَمَّا وََسْوَسَ لآدمَ فنَالَ منهُ ما نالَ، طَمِعَ في ذرِّيته. ومنها : أن إبليسَ يلَمَّا عَايَنَ الجنَّة والنارَ عَلِمَ أنَّ لَهَا سُكَّاناً من الناسِ).
وقوله :﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ؛ أي يَعِدُهُمْ أن لاَ جَنَّةَ وَلاَ نَارَ ؛ وَيُمَنِّيْهِمْ طُولَ البقاءِ في الدُّنيا ودوامَ نعيمِها ويُؤْثِرُوهَا على الآخرةِ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ؛ أي بَاطِلاً، والْغُرُورُ : إيْهَامُ النَّفْعِ فيما فيه ضررٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى