جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلأَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتّخِذِ الشّيْطَانَ وَلِيّاً مّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مّبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشّيْطَانُ إِلاّ غُرُوراً﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل الشيطان المَريد، الذي وصف صفته في هذه الآية : ولأضلهم ولأصدنّ النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال، ومن الإسلام إلى الكفر. ﴿ولأُمَنّيَنّهُمْ﴾ يقول : لأزيغنهم بما أجعل في نفوسهم من الأماني عن طاعتك وتوحيدك إلى طاعتي، والشرك بك. ﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعامِ﴾ يقول : ولاَمرنّ النصيب المفروض لي من عبادك بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد، حتى يَنْسُكوا له، ويحّرموا، ويحللوا له، ويشرعوا غير الذي شرعته لهم فيتبعوني ويخالفونك. والبَتْك : القطع، وهو في هذا الموضع : قطع أذن البَحِيرة ليعلم أنها بحيرة. وإنما أراد بذلك الخبيث أنه يدعوهم إلى البَحيرة فيستجيبون له ويعملون بها طاعة له.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعامِ﴾ قال : البَتْك في البَحيرة والسائبة، كانوا يُبَتّكون آذانها لطواغيتهم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله :﴿ولاَمُرَنّهُمْ فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعامِ﴾ أما يبتكنّ آذان الأنعام : فيشقونها فيجعلونها بحيرة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني القاسم بن أبي بزّة، عن عكرمة :﴿فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعامِ﴾ قال : دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ فقال بعضهم : معنى ذلك : ولاَمرنهم فليغيرنّ خلق الله من البهائم بإخصائهم إياها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، أنه كره الإخصاء، وقال : فيه نزلت ﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الله بن داود، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس، أنه كره الإخصاء، وقال : فيه نزلت ﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال : هو الإخصاء، يعني قول الله :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، قال : ثني رجل، عن ابن عباس، قال : إخصاء البهائم مُثلة، ثم قرأ :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال : من تغيير خلق الله الإخصاء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا جعفر بن سليمان، قال : أخبرني شبل، أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الاَية :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : الخِصَاء، قال : فأمرت أبا التياح، فسأل الحسن عن خصاء الغنم، فقال : لا بأس به.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا عمي وهب بن نافع، عن القاسم بن أبي بزّة، قال : أمرني مجاهد أن أسأل عكرمة عن قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ فسألته، فقال : هو الخصاء.
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن عبد الجبار بن ورد، عن القاسم بن أبي بزة، قال : قال لي مجاهد : سهل عنها عكرمة :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ فسألته، فقال : الإخصاء. قال مجاهد : ماله لعنه الله ! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء. ثم قال : سله ! فسألته، فقال عكرمة : ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى :﴿فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ﴾ ؟ قال : لدين الله. فحدثت به مجاهدا فقال : ما له أخزاه الله !
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حفص، عن ليث، قال : قال عكرمة :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : الإخصاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدثنا هارون النحوي، قال : حدثنا مطر الورّاق، قال : سئل عكرمة، عن قوله :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : هو الإخصاء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال : الإخصاء.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا وكيع، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال : سمعت أنس بن مالك يقول في قوله :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : منه الخصاء.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
حدثنا ابن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، بمثله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : ثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة أنه كره الإخصاء، قال : وفيه نزلت :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾.
وقال آخرون : معنى ذلك : ولاَمرنهم فليغيرنّ دين الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن وأبو أحمد، قالا : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سفيان، قال : ثني قيس بن مسلم، عن إبراهيم مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا عمي، عن القاسم بن أبي بزة، قال : أخبرت مجاهدا بقوله عكرمة في قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدثنا هارون النحوي، قال : حدثنا الوراق، قال : ذكرت لمجاهد قول عكرمة في قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾، فقال : كذب العبد ﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثنا ابن وكيع وعمرو بن عليّ، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد وعكرمة، قالا : دين الله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربي وحفص، عن ليث، عن مجاهد، قال : دين الله، ثم قرأ :﴿ذَلِكَ الدّينُ القَيّمُ﴾.
حدثنا محمد بن عمرو وعمرو بن عليّ، قالا : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : الفطرة دين الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : الفطرة : الدين.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا يقول :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ أي دين الله، في قول الحسن وقتادة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الملك، عن عثمان بن الأسود، عن القاسم ابن بَزة في قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : أما خلق الله : فدين الله.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله، وهو قول الله :﴿فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ﴾ يقول : لدين الله.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت ابن زيد يقول في قوله :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله، وقرأ :﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ﴾ قال : لدين الله.
حدثنا عمرو بن علي، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا قيس بن مسلم، عن إبراهيم :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : دين الله.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا معاذ، قال : حدثنا عمران بن حُدَير، عن عيسى بن هلال، قال : كتب كثير مولى ابن سمرة إلى الضحاك بن مزاحم يسأله عن قوله :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ فكتب : إنه دين الله.
وقال آخرون : معنى ذلك : ولاَمرنهم فليغيرُنّ خلق الله بالوشْم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن في قوله :﴿وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : الوشم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يزيد بن نوح، عن قيس، عن خالد بن قيس، عن الحسن :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : الوشم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني هشيم، قال : أخبرنا يونس بن عبيد أو غيره، عن الحسن :﴿فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ﴾ قال : الوشم.
حدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا أبو هلال الراسبيّ، قال : سأل رجل الحسن : ما تقول في امرأة قشرت وجهها ؟ قال : ما لها لعنها الله ! غَيّرت خلق الله.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال : قال عبد الله : لعن الله المتفلّجات والمتنمّصات والمستوشمات المغيّرات خلق الله.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال : لعن الله
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وإنما أخبر جل ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله:"لأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا"، ليعلم الذين شاقُّوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، أنهم من نصيبِ الشيطان الذي لعنه الله، المفروضِ، (١) وأنهم ممن صدق عليهم ظنّه. (٢)
* * *
وقد دللنا على معنى"اللعنة" فيما مضى، فكرهنا إعادته. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: مخبرًا عن قيل الشيطان المريد الذي وصف صفته في هذه الآية:"ولأضلنهم"، ولأصدّن النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال، ومن الإسلام إلى الكفر="ولأمنينهم"، يقول: لأزيغنَّهم -بما أجعل في نفوسهم من الأماني- عن طاعتك وتوحيدك، إلى طاعتي والشرك بك، ="ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام"، يقول: ولآمرن النصيبَ المفروض لي من عبادك، بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "وأنه ممن صدق... " والسياق يقتضي"وأنهم".
(٣) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف ص: ٥٧، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
* * *
و"البتك"، القطع، وهو في هذا الموضع: قطع أذن البَحِيرة ليعلم أنها بَحِيرة. (٢)
وإنما أراد بذلك الخبيثُ أنه يدعوهم إلى البحيرة، فيستجيبون له، ويعملون بها طاعةً له.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٤٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فليبتكن آذان الأنعام"، قال: البتك في البحيرة والسَّائبة، كانوا يبتّكون آذانها لطواغِيتهم.
١٠٤٤٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قوله:"ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام"، أما"يبتكن آذان الأنعام"، فيشقونها، فيجعلونها بَحيرة.
١٠٤٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن عكرمة:"فليبتكن آذان الأنعام"، قال: دينٌ شرعه لهم إبليس، كهيئة البحائر والسُّيَّب. (٣)
* * *
(٢) "البحيرة" من الأنعام، من عقائد أهل الجاهلية، أبطلها الإسلام، وذلك الشاة أو الناقة تشق أذنها، ثم تترك فلا يمسها أحد.
(٣) "السائبة" أم"البحيرة"، وذلك أن الرجل كان ينذر نذرًا: إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجاه شيء من مشقة أو حرب فيقول: "ناقتي هذه سائبة"، أي: تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تحلأ عن ماء، ولا تمنع من كلأ، ولا تركب. وجمع"سائبة""سيب" (بضم السين والياء المشددة المفتوحة) مثل"نائم ونوم"، و"نائحة ونوح".
وهكذا جاءت على الصواب في المخطوطة، ولكن ناشر المطبوعة جعلها"السوائب" كأنه استنكر هذا الجمع، فأساء غاية الإساءة في تبديل الصواب، وإن كانت"السوائب" صوابًا أيضًا، فإن هذه الآثار حجة في اللغة.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قوله:"فليغيرن خلق الله".
فقال بعضهم: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله من البهائم، بإخصائهم إياها. (١)
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٤٨- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس: أنه كره الإخصاء وقال: فيه نزلت:"ولآمرنهم فليغِّيرُن خلقَ الله".
١٠٤٤٩- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الله بن داود قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس: أنه كره الإخصاء وقال: فيه نزلت:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله".
١٠٤٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك قال: هو الإخصاء، يعني قول الله:"ولآمرنهم فليغيّرن خلق الله".
١٠٤٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف قال:
١٠٤٥٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: من تغيير خلق الله، الإخصاءُ.
١٠٤٥٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان قال، أخبرني شبيل: أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية:"فليغيرن خلق الله"، قالالخِصَاء، قال: فأمرت أبا التَّيَّاح فسأل الحسن عن خِصَاء الغنم، فقال: لا بأس به. (١)
١٠٤٥٤- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عمي وهب بن نافع، عن القاسم بن أبي بزة قال: أمرني مجاهد أن أسأل عكرمة عن قوله:"فليغيرن خلق الله"، فسألته، فقال: هو الخصاء.
١٠٤٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن عبد الجبار بن ورد، عن القاسم بن أبي بزة قال، قال لي مجاهد: سل عنها عكرمة:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، فسألته فقال: الإخصاء= قال مجاهد: ما له، لعنة الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء= ثم قال: سله، فسألته فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ).
وكان في المطبوعة: "شبل" وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة.
و"أبو التياح"، هو: "يزيد بن حميد الضبعي"، روى عن أنس والحسن البصري. وهو ثبت ثقة معروف. مترجم في التهذيب.
١٠٤٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن ليث قال، قال عكرمة:"فليغيرن خلق الله"، قال: الإخصاء.
١٠٤٥٧- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثنا مطر الوراق قال: سئل عكرمة عن قوله:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: هو الإخصاء.
١٠٤٥٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: الإخصاء.
١٠٤٥٩- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول في قوله:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: منه الخصاء.
١٠٤٦٠- حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، بمثله.
١٠٤٦١- حدثنا ابن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، بمثله. (٢)
١٠٤٦٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي،
وقول مجاهد في عكرمة: "ماله لعنه الله"، و"ماله أخزاه الله"، أراد مجاهد اضطراب عكرمة في روايته، وكان مجاهد سيئ الرأي فيه، كما كان مالك ابن أنس سيئ الرأي فيه، يقول: "لا أرى لأحد أن يقبل حديثه". وقد قيل إنه كان مضطرب الحديث، وأنه كان قليل العقل!! روى الحافظ في التهذيب ٧: ٢٦٩"قال الأعمش عن إبراهيم: لقيت عكرمة فسألته عن: البطشة الكبرى. قال: يوم القيامة. فقلت: إلا عبد الله، كان يقول: يوم بدر. فأخبرني من سأله بعد ذلك فقال: يوم بدر". وهذا شبيه بهذا الخبر الذي بين أيدينا. وانظر أيضًا الأثر التالي رقم: ١٠٤٦٩.
وانظر ترجمة عكرمة البربري في التهذيب، فقد استوفى الحافظ القول في عدالته وتوثيقه، ورواية الأئمة عنه.
(٢) الأثر: ١٠٤٦١ - هو من تتمة الأثر السالف، ولكنه جرى مفردًا في الترقيم خطأ.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرن دينَ الله.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٦٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله.
١٠٤٦٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن وأبو أحمد قالا حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله.
١٠٤٦٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثني قيس بن مسلم، عن إبراهيم، مثله.
١٠٤٦٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم، مثله.
١٠٤٦٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
١٠٤٦٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عمي، عن القاسم بن أبي بزة قال، أخبرت مجاهدًا بقول عكرمة في قوله:"فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله.
١٠٤٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثنا مطر الوراق قال: ذكرت لمجاهد قول عكرمة في قوله:
١٠٤٧٠- حدثنا ابن وكيع وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد وعكرمة قالا دين الله.
١٠٤٧١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي وحفص، عن ليث، عن مجاهد قال: دين الله. ثم قرأ: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)، [سورة الروم: ٣٠].
١٠٤٧٢- حدثنا محمد بن عمرو وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"فليغيرن خلق الله"، قال: الفطرة دين الله.
١٠٤٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فليغيرن خلق الله"، قال: الفطرة، الدين.
١٠٤٧٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله.
١٠٤٧٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، أي: دين الله، في قول الحسن وقتادة.
١٠٤٧٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله.
١٠٤٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الملك، عن عثمان بن الأسود، عن القاسم بن أبي بزة في قوله:"فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله.
١٠٤٧٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله، وهو قول الله: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، [سورة الروم: ٣٠]، يقول: لدين الله.
١٠٤٨٠- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله. وقرأ: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، قال: لدين الله.
١٠٤٨١- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا قيس بن مسلم، عن إبراهيم:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله.
١٠٤٨٢- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا عمران بن حدير، عن عيسى بن هلال قال: كتب كثير مولى ابن سمرة إلى الضحاك بن مزاحم يسأله عن قوله:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، فكتب:"إنه دين الله". (١)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله" بالوشم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٨٣- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال،
١٠٤٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد، عن نوح بن قيس، عن خالد بن قيس، عن الحسن:"فليغيرن خلق الله"، قال: الوشم. (١)
١٠٤٨٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا يونس بن عبيد أو غيره، عن الحسن:"فليغيرن خلق الله"، قال: الوشم.
١٠٤٨٦- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو هلال الراسبي قال: سأل رجل الحسنَ: ما تقول في امرأة قَشَرت وجهها؟ قال: ما لها، لعنها الله! غَيَّرت خلقَ الله! (٢)
١٠٤٨٧- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لعن الله المُتَفَلِّجات والمُتَنَمِّصات والمُسْتَوْشِمَات المغِّيرات خلق الله.
١٠٤٨٨- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لعن الله الوَاشِرَات والمُسْتَوْشِمَات والمُتَنَمِّصات والمُتَفَلِّجات للحسن المغِّيرات خلق الله.
١٠٤٨٩- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة،
و"نوح بن قيس بن رباح الأزدي الحداني"، مضى برقم: ١٢١٨.
و"خالد بن قيس بن رباح الأزدي الحداني"، أخو"نوح بن قيس". ثقة. مترجم في التهذيب.
وكان في المطبوعة: "حدثنا يزيد بن نوح، عن قيس، عن خالد بن قيس" وهو خطأ محض، صوابه من المخطوطة.
(٢) "قشر الوجه": دواء قديم بالغمرة تعالج به المرأة وجهها أو وجه غيرها، وكأنها تقشر أعلى الجلد. و"الغمرة" (بضم فسكون)، قالوا: هو الزعفران، وقالوا: هو الجص. وقالوا: هو تمر ولبن يطلى به وجه المرأة ويداها، حتى ترق بشرتها ويصفو لونها. والظاهر أنه كان يخلط به شيء يقشر أعلى البشرة، ومن أجل ذلك نهى عنه، وفي الحديث: "لعنت القاشرة والمقشورة".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قولُ من قال: معناه:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله. وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)، [سورة الروم: ٣٠].
وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي= ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به. لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته. فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه.
* * *
قال أبو جعفر: فلا معنى لتوجيه من وجَّه قوله:"ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، إلى أنه وَعْد الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما
وفي الإسناد الأول ١٠٤٨٧ لم يذكر علقمة، فقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "ومن أصحاب الأعمش من لم يذكر عنه علقمة في السند".
وطريق محمد بن جعفر، عن شعبة (١٠٤٨٩) رواه أحمد:
| ٤٤٣٤، ونصه"لعن الله المتوشمات والمتنمصات | "، فأخشى أن يكون سقط من الناسخ"المتوشمات". |
و"المتنمصة" و"النامصة" التي تزيل شعر حاجبها بالمنقاش حتى ترققه وترفعه وتسويه. و"المستوشمة" و"الواشمة"، و"الوشم" أن تغرز إبرة في الجلد حتى يسيل الدم، ثم يحشى بالنورة أو غيرها فيخضر. ويقال: "هو أن تجعل خالا في وجهها بالكحل". ويفعلونه أيضًا في الشفاه واللثات، وكل ذلك داخل في الذي نهى الله عنه، ولعن عليه.
= و"الواشرة" التي تحدد أسنانها وترققها بالمنشار، وهو المبرد.
وكل هذا الذي لعن الله فاعله، تفعله نساؤنا المسلمات اليوم، متبرجات به، موغلات فيه، مقلدات لمن كفر بالله ورسوله. فمن أجل عصيانهن واستخفافهن - بل من أجل عصياننا جميعًا أمر الله - أحل الله بنا العقوبة التي أنذرنا بها رسول الله، بأبي هو وأمي، فجعل الله بأسنا بيننا، وسلط علينا شرارنا، وجمع علينا الأمم لتأكلنا. فاللهم اهد ضالنا، وخذ بنواصي عصاتنا، واغفر لنا وارحمنا، عليك نتوكل، وبك نستجير، وإليك نلجأ.
* * *
| "فإذا كان الذي وجه | " والصواب من المخطوطة. |
(٣) سقط سطر من المخطوطة، فكان فيها: "وقد مضى الخبر عنه مجملا، إذ كان الفصيح"، وهو مضطرب، والذي في المطبوعة هو الصواب إن شاء الله. ولا أدري أهو اجتهاد من ناسخ أو ناشر، أم هذا كلام أبي جعفر كما كتبه؟.
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه، عن حال نصيب الشيطان المفروضِ الذين شاقوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى. (١) يقول الله: ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله وخلاف أمره، ويواليه فيتخذه وليًّا لنفسه ونصيرًا من دون الله (٢) ="فقد خسر خسرانًا مبينًا"، يقول: فقد هلك هلاكًا، وبخس نفسه حظَّها فأوبقها بخسًا"مبينًا" = يبين عن عَطَبه وهلاكه، (٣) لأن الشيطان لا يملك له نصرًا من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمرَه، بل يخذُله عند حاجته إليه. وإنما حاله معه ما دام حيًّا ممهَلا بالعقوبة، كما وصفه الله جل ثناؤه بقوله:"يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا"، يعني بذلك جل ثناؤه: يعد الشيطان المَرِيد أولياءه الذين هم نصيبُه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم. (٤)
= ثم قال:"وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا" يقول: وما يعد الشيطان أولياءَه الذين اتخذوه وليًّا من دون الله="إلا غرورًا" يعني: إلا باطلا. (٥)
وإنما جعل عِدَته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم"غرورًا"، لأنهم كانوا يحسبون
| "من الذين شاقوا | " بزيادة"من"، والصواب حذفها كما في المخطوطة. |
(٣) انظر تفسير"خسر" فيما سلف ١: ٤١٧ / ٢: ١٦٦، ٥٧٢ / ٦: ٥٧٠ / ٧: ٢٧٦= وتفسير"مبين" فيما سلف ص: ١٩٩ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) "الفلج" (بفتحتين) : الظفر والفوز والعلو على الخصم.
(٥) انظر تفسير"الغرور" فيما سلف ٧: ٤٥٣.