فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿وَلأَضِلَّنَّهُمْ﴾ اللام جواب قسم محذوف. والإضلال : الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية، وهكذا اللام في قوله :﴿وَلأَمَنّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ﴾ والمراد بالأماني التي يمنيهم بها الشيطان : هي الأماني الباطلة الناشئة عن تسويله ووسوسته. قوله :﴿وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الأنعام﴾ أي : ولآمرنهم بتبتك آذان الأنعام : أي : تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري. والبتك : القطع، ومنه سيف باتك، يقال بتكه وبتكه مخففاً، ومشدّداً، ومنه قول زهير :
طارت وفي كفه من ريشها بتك ***
أي : قطع. وقد فعل الكفار ذلك امتثالاً لأمر الشيطان واتباعاً لرسمه، فشقوا آذان البحائر والسوائب، كما ذلك معروف.
قوله :﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرنَّ خَلْقَ الله﴾ أي : ولآمرنهم بتغيير خلق الله، فليغيرنه بموجب أمري لهم. واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو ؟ فقالت طائفة : هو الخصاء وفقء الأعين، وقطع الآذان. وقال آخرون : إن المراد بهذا التغيير هو أن الله سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار، والنار، ونحوها من المخلوقات لما خلقها له، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وبه قال الزجاج وقيل المراد بهذا التغيير : تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور حملاً شمولياً، أو بدلياً.
وقد رخص طائفة من العلماء في خصاء البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع به لسمن أو غيره، وكره ذلك آخرون، وأما خصاء بني آدم فحرام، وقد كره قوم شراء الخصي. قال القرطبي : ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز وأنه مثلة وتغيير لخلق الله، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حدّ ولا قود، قاله أبو عمر بن عبد البر.
﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً من دُونِ الله﴾ باتباعه وامتثال ما يأمر به من دون اتباع لما أمر الله به، ولا امتثال له ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أي : واضحاً ظاهراً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الترمذي من حديث عليّ أنه قال : ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه الآية :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ قال الترمذي : حسن غريب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك في قوله :﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا﴾ قال : اللات والعزة، ومناة كلها مؤنثة. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب في الآية قال مع كل صنم جنيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا﴾ قال : موتى. وأخرج مثله عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن. وأخرج مثله أيضاً عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن قال : كان لكل حيّ من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أنثى بني فلان، فأنزل الله :﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا﴾. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال المشركون : إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال : اتخذوهنّ أرباباً، وصوروهنّ صور الجواري، فحلوا وقلدوا، وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده : يعنون الملائكة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله :﴿وَقَالَ لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ﴾ الخ، قال : هذا إبليس يقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. وأخرج ابن المنذر عن الربيع ابن أنس مثله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الأنعام﴾ قال التبتيك في البحيرة والسائبة يبتكون آذانها لطواغيتهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أنس أنه كره الإخصاء، وقال فيه نزلت :﴿وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله ﷺ عن خصاء البهائم والخيل. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس قال : نهى رسول الله ﷺ عن صبر الروح، وإخصاء البهائم وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ قال : دين الله. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير مثله أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال : الوشم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى