جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾. .
اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بقوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ فقال بعضهم : عُني بقوله ﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ﴾ أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال : تفاخر النصارى وأهل الإسلام، فقال هؤلاء : نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء : نحن أفضل منكم¹ قال : فأنزل الله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال : لما نزلت :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قال أهل الكتاب : نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
حدثني أبو السائب وابن وكيع، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾قال : احتجّ المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون : نحن أهدى منكم، وقال أهل الكتاب : نحن أهدى منكم، فأنزل الله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قال : ففلج عليهم المسلمون بهذه الاَية :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. . . إلى آخر الآيتين.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذُكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم، نبيّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضى على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾. . . إلى قوله :﴿وَمَنْ أحْسَنُ دِينا مِمّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتّبَعَ مِلّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفا﴾ فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ قال : التقى ناس من اليهود والنصارى، فقالت اليهود للمسلمين : نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا. وقالت النصارى مثل ذلك. فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فردّ الله عليهم قولهم، فقال :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ ثم فضل الله المؤمنين عليهم، فقال :﴿وَمَنْ أحْسَنُ دِينا ممّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتّبَعَ مِلّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفا﴾.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة : كتابُنا أوّل كتاب وخيرها، ونبينا خير الأنبياء. وقال أهل الإنجيل نحوا من ذلك. وقال أهل الإسلام : لا دين إلا دين الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأُمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم. فقضى الله بينهم، فقال :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾. ثم خير بين أهل الأديان، ففضل أهل الفضل، فقال :﴿وَمَنْ أحْسَنُ دِينا مِمّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. . . إلى قوله :﴿وَاتّخَذَ اللّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾. . . إلى :﴿وَلا نَصِيرا﴾ تحاكم أهل الأديان، فقال أهل التوراة : كتابنا خير من الكتب، أنزل قبل كتابكم، ونبيّنا خير الأنبياء. وقال أهل الإنجيل مثل ذلك. وقال أهل الإسلام : لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأُمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا. فقضى الله بينهم فقال :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ وخير بين أهل الأديان فقال :﴿وَمَنْ أحْسَنُ دِينا مِمّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتّبَعَ مِلّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفا واتّخَذَ اللّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا يعلى بن عبيد وأبو زهير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال : جلس ناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان، فقال هؤلاء : نحن أفضل، وقال هؤلاء : نحن أفضل. فأنزل الله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾، ثم خصّ الله أهل الإيمان فقال :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال : جلس أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الزبور وأهل الإيمان، فتفاخروا، فقال هؤلاء : نحن أفضل، وهؤلاء : نحن أفضل. فأنزل الله :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرا﴾.
حدثنا يحيي بن أبي طالب، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قال : افتخر أهل الأديان، فقالت اليهود : كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله، ونبينا أكرم الأنبياء على الله موسى، كلمه الله قَيَلاً، وخلا به نجيّا، وديننا خير الأديان. وقالت النصارى : عيسى بن مريم خاتم الرسل، وآتاه الله التوراة والإنجيل، ولو أدركه موسى لاتّبَعَهُ، وديننا خير الأديان. وقالت المجوس وكفار العرب : ديننا أقدم الأديان وخيرها. وقال المسلمون : محمد نبينا خاتم النبيين، وسيد الأنبياء، والفرقان آخر ما أنزل من الكتب من عند الله، وهو أمين على كلّ كتاب، والإسلام خير الأديان. فخير الله بينهم، فقال :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾.
وقال آخرون : بل عنى الله بقوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ : أهل الشرك به من عبدة الأوثان. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قال : قريش قالت : لن نُبعث ولن نُعذّب.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ﴾ قال : قالت قريش : لن نُبعث ولن نُعذّب، فأنزل الله :﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾.
حدثني يعقوب ابن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ قال : قالت العرب : لن نبعث ولن نعذّب¹ وقالت اليهود والنصارى :﴿لَنْ يَدخُلَ الجَنّةَ إلاّ مَنْ كانَ هُودا أو نَصَارَى﴾، أو قالوا ﴿لَنْ تمَسّنا النّارُ إلاّ أيّاما مَعْدُودَةً﴾ شكّ أبو بشر.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قال : قريش وكعب بن الأشرف¹ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت ابن زيد يقول في قوله ﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصيبا مِنَ الكِتابِ﴾. . . إلى آخر الاَية، قال : جاء حيى بن أخطب إلى المشركين، فقالوا له : يا حُيَيّ إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه ؟ فقال : أنتم خير منه. فذلك قوله :﴿ألَمْ تَرَ إَلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ﴾. . . إلى قوله :﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصيرا﴾. ثم قال للمشركين :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ رسولُ الله ﷺ وأصحابه ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرا﴾. قال : ووعد الله المؤمنين أن يكفّر عنهم سيئاتهم، ولم يَعِد أولئك، وقرأ :﴿وَالّذِين آمَنُوا وَعمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أحْسَنَ الّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد في قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ قال : قالت قريش : لن نُبعث ولن نُعذّب.
وقال آخرون : عُني به أهل الكتاب خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي أسيد، قال : سمعت الضحاك يقول :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ﴾. . . الاَية، قال : نزلت في أهل الكتاب حين خالفوا النبيّ ﷺ.
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد من أنه عنى بقوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ﴾ مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الاَي قبل قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ﴾ وإنما جرى ذكر أمانيّ نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله :﴿وَلأُمَنّيَنّهُمْ ولأمرنهم فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعامِ﴾ وقوله :﴿يَعِدُهُمْ ويُمَنّيهِمْ﴾ فإلحاق معنى قوله :﴿لَيْسَ بأمانِيّكُمْ﴾ بما قد جري ذكره قبل أحقّ وأولى من ادّعاء تأويل فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ، ولا أجماع من أهل التأويل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الاَية إذن : ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه التي يمنيك موها وليكم عدوّا لله من إنقاذكم ممن أرادكم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى