تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) قال مسروق هو أبو عائشة مسروق بن الأجدع الهمداني : أراد به : ليس بأمانيكم أيها المسلمون، ولا أماني أهل الكتاب، وهم اليهود، والنصارى.
وقال مجاهد : أراد بقوله :( ليس بأمانيكم ) مشركي العرب، ( ولا أماني أهل الكتاب ) يعني : اليهود، والنصارى، فعلى القول الأول معنى الآية : أن اليهود قالوا : نحن أولى ؛ لأن ديننا أقدم وكتابنا أقدم.
وقالت النصارى : نحن أولى ؛ لأنا على دين عيسى، وهو روح الله، وكلمته، وكان يحيي الموتى.
وقال المسلمون : نحن أولى ؛ لأن نبينا خاتم النبيين، وكتابنا ناسخ للكتب، وقد آمنا بكتابكم، ولم تؤمنوا بكتابنا ؛ قال الله تعالى :( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) يعني : ليس الأمر بالأماني، وإنما الأمر بالعمل الصالح، وقد قال ﷺ :«ليس الدين بالتمني، ولا بالتحلي. . » (١) الخبر.
وأما على القول الثاني : معنى الآية : أن اليهود والنصارى قالوا : نحن أهل الجنة، وذلك قول الله تعالى :( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) (٢) وقال المشركون : لا جنة، ولا نار، ولا بعث ؛ قال الله تعالى :( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) أي : ليس كما قال المشركون، ولا كما قال اليهود والنصارى.
( من يعمل سوءا يجز به ) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتاده، وجماعة المفسرين : إن الآية على العموم في حق كل عامل. وقال الحسن : أراد به : أهل الشرك.
وفي حديث أبي هريرة :«أن هذه الآية لما نزلت، قالت الصحابة : أينا لم يعمل سوءا ؟ وشقت عليهم الآية، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ في ذلك، فقال : ما منكم من أحد تصيبه مصيبة، إلا كفر عنه، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها »(٣).
وروى :«أن أبا بكر دخل على رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ :«ألا أقرئك آية أنزلت عليّ ؟ قال : بلى(٤) فقرأ :( من يعمل سوءا يحز به ) قال أبو بكر : فوجدت انقصاما في ظهري، فقال -عليه السلام- : مالك يا أبا بكر ؟ فقلت : كيف النجاة بعد هذه الآية، هلكنا، وأينا لم يعمل سوءا ؟ فقال ﷺ : أما أنت يا أبا بكر، والمؤمنون تجزون به في الدنيا، فتلقون الله تعالى وما عليكم ذنب، وأما الكافرون يجمع عليهم، ثم يجزون به في الآخرة »(٥) وفي رواية قال له عليه السلام :«ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ ألست تمرض ؟ أليس تصيبك اللأواء ؟ فذلك الذي تجزون به »(٦) فهذا معنى قوله تعالى :( من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ).
١ - رواه الديلمي في مسند الفردوس (٣/٤٥٠)، وابن النجار في الذيل (١٧/٤٨)، وابن عدي في الكامل (٦/٢٨٨-٢٨٩) وحكم عليه الشيخ الألباني في الضعيفة رقم [١٠٩٨] بالوضع، وانظر كلام الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف في كتابه "تبيض الصحيفة" (ص ٩٩-١٠٢ رقم ٣٣)، وهو عندهم بلفظ: "ليس الإيمان..."..
٢ - البقرة: ١١١..
٣ - رواه مسلم (١٦/١٩٦-١٩٧ رقم ٢٥٧٤)، والترمذي (٥/٢٣١ رقم ٣٠٣٨)، والنسائي في الكبرى (٦/٣٢٨ رقم ١١١٢٢)..
٤ - في "الأصل وك": نعم، وله وجه انظر مغني اللبيب (٢/٣٤٦) وما أثبتناه من مصادر تخريج الحديث، وهو الأشهر..
٥ - رواه الترمذي (٥/٢٣١-٢٣٢ رقم ٣٠٣٩)، وعبد بن حميد –المنتخب- (ص ٣١ رقم ٧)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، موسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ابن سباع مجهول، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا..
٦ - رواه أحمد (١/١١)، والطبري (٥/١٨٩)، وأبو يعلى (١/٩٧-٩٨ رقم ٩٧-١٠١)، وهناد في زهده (١/٢٤٨ رقم ٤٢٩)، وابن حبان –الإحسان- (٧/١٧٠-١٧١ رقم ٢٩١٠)، والحاكم (٣/٧٤-٧٥) وصححه/ والبيهقي (٣/٣٧٣)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى