بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب﴾ وذلك أن أهل الكتاب قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. وقال المؤمنون : إنا أسلمنا لا تضرنا الذنوب فنزل :﴿لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب﴾ يقول : ليس لكم يا معشر المسلمين ما تمنيتم، ولا أهل الكتاب ما تمنوا ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ أي من يعمل معصية دون الشرك يعاقب به. وقال الزجاج : معناه ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، وقد جرى ما يدل على إضمار الثواب وهو قوله :﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي إنما يدخل الجنة من آمن وعمل صالحاً، ليس كما تمنيتم و ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ أي لا ينفعه تمنيه.
ويقال : لما نزلت هذه الآية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين. وقال أبو بكر رضي الله عنه : كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول الله ؟ فقال ﷺ :« أَلَسْتَ تَمْرَضُ ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللأواءُ ؟ أي الشدة فذَلِكَ كُلُّهُ جَزَاؤُهُ » حدّثنا الخليل بن أحمد، قال : حدّثنا العباسي، قال : حدّثنا الحسن بن صباح، قال : حدّثنا عبد الوهاب الخفاف، عن زياد، عن علي بن زيد، عن مجاهد قال : مرّ ابن عمر على ابن الزبير وهو مصلوب، فنظر إليه فقال : يغفر الله لك ثلاثاً، والله ما علمتك إلا كنت صواماً قواماً وصّالاً للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوىء ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها أبداً، ثم التفت فقال : سمعت أبا بكر الصديق يقول : قال رسول الله ﷺ :« مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا » وروى محمد بن قيس، عن أبي هريرة قال : لما نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال :« قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَكُلُّ مَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةُ تُشَاكُهُ والنَّكْبَةُ تَنْكُبُهُ » وقال الضحاك : السوء الكفر.
وقال مجاهد : قالت قريش : لن نبعث ولن نعذب، فنزلت :﴿لَّيْسَ بأمانيكم﴾ أي أماني كفار قريش ولا أماني أهل الكتاب ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ أي يعاقب عليه.
ثم قال تعالى :﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً﴾ يعني الكافر لا يجد لنفسه ﴿مِن دُونِ الله﴾ أي من عذاب الله ﴿وليا﴾ يمنعه ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ ينفعه ويمنعه من العذاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى