البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الشح : قال ابن فارس البخل مع الحرص.
وتشاح الرجلان في الأمر لا يريدان أن يفوتهما، وهو بضم الشين وكسرها.
وقال ابن عطية : الشح الضبط على المعتقدات والإرادة، ففي الهمم والأموال ونحو ذلك مما أفرط فيه، وفيه بعض المذمة.
وما صار إلى حيز الحقوق الشرعية وما تقتضيه المروءة فهو البخل، وهو رذيلة.
لكنها قد تكون في المؤمن ومنه الحديث :" قيل : يا رسول الله، أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال : نعم " وأما الشح ففي كل أحد، ويدل عليه :﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ و ﴿من يوق شح نفسه﴾ لكل نفس شحاً وقول النبي عليه السلام :" أن تصدق وأنت صحيح شحيح " ولم يرد به واحداً بعينه، وليس بحمد أن يقال هنا إن تصدق وأنت صحيح بخيل.
﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يُصالحا بينهما صُلحاً﴾ نزلت بسبب ابن بعكك وامرأته قاله : مجاهد.
وبسبب رافع بن خديج وامرأته خولة بنت محمد بن مسلمة، وكانت قد أسنت فتزوج عليها شابة فآثرها، فلم تصبر خولة فطلقها ثم راجعها، وقال : إنما هي واحدة، فإما أن تقوى على الأثرة وإلا طلقتك ففرت.
قاله : عبيدة، وسليمان بن يسار، وابن المسيب.
أو بسبب النبي ﷺ وسودة بنت زمعة خشيت طلاقها فقالت : لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل، فنزلت قاله : ابن عباس وجماعة.
والخوف هنا على بابه، لكنه لا يحصل إلا بظهور أمارات ما تدل على وقوع الخوف.
وقيل : معنى خافت علمت.
وقيل : ظنت.
ولا ينبغي أن يخرج عن الظاهر، إذ المعنى معه يصح.
والنشوز : أن يجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته، والمودة التي بينهما، وأن يؤذيها بسبب أو ضرب.
والإعراض : أن يقل محادثتها ومؤانستها لطعن في سن أو دمامة، أو شين في خلق أو خلق أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك، وهو أخف النشوز.
فرفع الجناح بينهما في الصلح بجميع أنواع من بذل من الزوج لها على أن تصبر، أو بذل منها له على أن يؤثرها وعن أن يؤثر وتتمسك بالعصمة، أو على صبر على الأثرة ونحو ذلك، فهذا كله مباح.
ورتب رفع الجناح على توقع الخوف، وظهور أمارات النشوز والإعراض، وهو مع وقوع تلك وتحققها أولى.
لأنه إذا أبيح الصلح مع خوف ذلك فهو مع الوقوع أوكد، إذ في الصلح بقاء الألفة والمودّة.
ومن أنواع الصلح أن تهب يومها لغيرها من نسائه كما فعلت سودة، وأن ترضى بالقسم لها في مدة طويلة مرة، أو تهب له المهر أو بعضه، أو النفقة، والحق الذي للمرأة على الزوج هو المهر والنفقة، والقسم هو على إسقاط ذلك أو شيء منه على أن لا يطلقها، وذلك جائز.
وقرأ الكوفيون : يصلحا من أصلح على وزن أكرم.
وقرأ باقي السبعة : يصالحا، وأصله يتصالحا، وأدغمت التاء في الصاد.
وقرأ عبيدة السلماني : يصالحا من المفاعلة.
وقرأ الأعمش : أن أصالحا، وهي قراءة ابن مسعود، جعل ماضياً.
وأصله تصالح على وزن تفاعل، فأدغم التاء في الصاد، واجتلبت همزة الوصل، والصلح ليس مصدر الشيء من هذه الأفعال التي قرئت، فإن كان اسماً لما يصلح به كالعطاء والكرامة مع أعطيت وأكرمت، فيحتمل أن يكون انتصابه على إسقاط حرف الجرّ أي : يصلح أي بشيء يصطلحان عليه.
ويجوز أن يكون مصدراً لهذه الأفعال على حذف الزوائد.
﴿والصلح خير﴾ ظاهره أنّ خيراً أفعل التفضيل، وأن المفضل عليه هو من النشوز والإعراض، فحذف لدلالة ما قبله عليه.
وقيل : من الفرقة.
وقيل : من الخصومة، وتكون الألف واللام في الصلح للعهد، ويعني به صلحاً السابق كقوله تعالى :﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول﴾ وقيل : الصلح عام.
وقيل : الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف، ويندرج تحته صلح الزوجين، ويكون المعنى : خير من الفرقة والاختلاف.
وقيل : خير هنا ليس أفعل تفضيل، وإنما معناه خير من الخيور، كما أن الخصومة شرّ من الشرور.
﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ هذا من باب المبالغة جعل الشح كأنه شيء معدّ في مكان.
وأحضرت الأنفس وسيقت إليه، ولم يأت، وأحضر الشح الأنفس فيكون مسوقاً إلى الأنفس، بل الأنفس سيقت إليه لكون الشح مجبولاً عليه الإنسان، ومركوزاً في طبيعته، وخص المفسرون هذه اللفظة هنا.
فقال ابن عباس وابن جبير : هو شح المرأة بنصيبها من زوجها ومالها.
وقال الحسن وابن زيد : هو شح كل واحد منهما بحقه.
وقال الماتريدي : ويحتمل أن يراد بالشح الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه يقال : هو شحيح بمودّتك، أي حريص على بقائها، ولا يقال في هذا بخيل، فكان الشح والحرص واحد في المعنى، وإن كان في أصل الوضع الشح للمنع والحرص للمطلب، فأطلق على الحرص الشح لأن كل واحد منهما سبب لكون الآخر، ولأنّ البخل يحمل على الحرص، والحرص يحمل على البخل انتهى.
وقال الزمخشري : في قوله : والصلح خير، وهذه الجملة اعتراض وكذلك قوله : وأحضرت الأنفس الشح.
ومعنى إحضار الأنفس الشح : إن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه، يعني : أنها مطبوعة عليه.
والغرض أنّ المرأة لا تكاد تسمح بأن يقسم لها، أو يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها انتهى.
قوله.
والصلح خبر جملة اعتراضية، وكذلك وأحضرت الأنفس الشح هو باعتبار أنَّ قوله :﴿وإن يتفرقا﴾ معطوف على قوله :﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا﴾ وقوله : ومعنى إحضار الأنفس الشح إن الشح جعل حاضراً لا يغيب عنها أبداً، جعله من باب القلب وليس بجيد، بل التركيب القرآني يقتضي أنّ الأنفس جعلت حاضرة للشح لا تغيب عنه، لأنّ الأنفس هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي التي كانت فاعلة قبل دخول همزة النقل، إد الأصل : حضرت الأنفس الشح.
على أنه يجوز عند الجمهور في هذا الباب إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل على تفصيل في ذلك ؛ وإن كان الأجود عندهم إقامة الأول.
فيحتمل أن تكون الأنفس هي المفعول الثاني، والشح هو المفعول الأول، وقام الثاني مقام الفاعل.
والأولى حمل القرآن على الأفصح المتفق عليه.
وقرأ العدوي : الشح بكسر الشين وهي لغة.
﴿وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض.
وقد وصى النبي ﷺ بهنّ « فإنهنّ عوان عند الأزواج ».
وقال الماتريدي : وإنْ تحسنوا في أن تعطوهنّ أكثر من حقهنّ، وتتقوا في أنْ لا تنقصوا من حقهن شيئاً.
أو أن تحسنوا في إيفاء حقهنّ والتسوية بينهنّ، وتتقوا الجور والميل وتفضيل بعض على بعض.
أو أن تحسنوا في اتباع ما أمركم الله به من طاعتهنّ، وتتقوا ما نهاكم عنه عن معصيته انتهى.
وختم آخر هذه بصفة الخبير وهو علم ما يلطف إدراكه ويدق، لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى، ولا يظهران ذلك لكل أحد.
وكان عمران بن حطان الخارجي من أدم الناس، وامرأته من أجملهنّ، فأجالت في وجهه نظرها ثم تابعت الحمد لله، فقال : ما لك ؟ قالت : حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة قال : كيف ؟ قالت : لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة الشاكرين والصابرين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبديع فنوناً التجنيس المغاير في : أن يصالحا بينهما صلحاً، وفي : فلا تميلوا كل الميل، وفي : فقد ضل ضلالاً، وفي : كفروا وكفروا.
والتجنيس المماثل في : ويستفتونك ويفتيكم، وفي : صلحاً والصلح، وفي : جامع وجميعاً.
والتكرار في : لفظ النساء، وفي لفظ يتامى، واليتامى، ورسوله، ولفظ الكتاب، وفي آمنوا ثم كفروا، وفي المنافقين.
والتشبيه في : كالمعلقة.
واللفظ المحتمل للضدين في : ترغبون أن تنكحوهن.
والاستعارة في : نشوزاً، وفي : وأحضرت الأنفس الشح، وفي : فلا تميلوا، وفي : قوامين، وفي : وإن تلووا أو تعرضوا، وفي : ازدادوا كفراً ولا ليهديهم سبيلاً، وفي : يتربصون، وفي : فتح من الله، وفي : ألم نستحوذ، وفي : سبيلاً.
وهذه كلها للأجسام استعيرت للمعاني.
والطباق في : غنياً أو فقيراً، وفي : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا واتباع الهوى جور وفي الكافرين والمؤمنين.
والاختصاص في : بما تعملون خبيراً خص العمل.
والالتفات في : وقد نزل عليكم إذا كان الخطاب للمنافقين.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى