فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿امرأة﴾ مرفوعة بفعل مقدّر يفسره ما بعده، أي : وإن خافت امرأة، وخافت بمعنى : توقعت ما تخاف من زوجها، وقيل معناه : تيقنت وهو خطأ. قال الزجاج : المعنى :﴿وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا﴾ دوام النشوز. قال النحاس : الفرق بين النشوز والإعراض : أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها، وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أيّ نشوز، أو أيّ إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي سيأتي، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأيّ نوع من أنواعه، إما بإسقاط النوبة، أو بعضها، أو بعض النفقة، أو بعض المهر. قوله :﴿أن يصالحا﴾ هكذا قرأه الجمهور، وقرأ الكوفيون :«أن يصلحا » وقراءة الجمهور أولى ؛ لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعداً قيل : تصالح الرجلان، أو القوم، لا أصلح. وقوله :﴿صلحا﴾ منصوب على أنه اسم مصدر، أو على أنه مصدر محذوف الزوائد، أو منصوب بفعل محذوف، أي : فيصلح حالهما صلحاً، وقيل : هو منصوب على المفعولية. وقوله :﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرف للفعل، أو في محل نصب على الحال.
قوله :﴿والصلح خَيْرٌ﴾ لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف خير على الإطلاق أو خير من الفرقة، أو من الخصومة، وهذه جملة اعتراضية. قوله :﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ إخبار منه سبحانه بأن الشحّ في كل واحد منهما، بل في كل الأنفس الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، وأن ذلك بحكم الجبلة والطبيعة، فالرجل يشحّ بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة، وحسن النفقة ونحوها، والمرأة تشحّ على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج، فلا تترك له شيئاً منها. وشحّ الأنفس : بخلها بما يلزمها، أو يحسن فعله بوجه من الوجوه، ومنه :﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون﴾ [الحشر: ٩].
قوله :﴿وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي : تحسنوا عشرة النساء، وتتقوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فيجازيكم يا معشر الأزواج بما تستحقونه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي عن ابن عباس قال : خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ، فقالت : يا رسول الله لا تطلقني، وأجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية :﴿وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ الآية، قال ابن عباس : فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة. وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية قالت : الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول : أجعلك من شأني في حلّ، فنزلت هذه الآية. وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن سلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إما كبراً، أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت : لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا، وجرت السنة بذلك ونزل القرآن :﴿وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ الآية. وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن عليّ أنه سئل عن هذه الآية، فقال : هو رجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت، أو تكون دميمة، فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة، وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها، فلا بأس به، فإن رجعت سوّى بينهما. وقد ورد عن جماعة من الصحابة نحو هذا، وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت : لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لها بيوم سودة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله :﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ قال : هواه في الشيء يحرص عليه، وفي قوله :﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النساء﴾ قال : في الحبّ والجماع، وفي قوله :﴿فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الميل فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾ قال : لا هي أيمة ولا ذات زوج.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر عن عائشة قالت :«كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول :" اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " وإسناده صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأهل السنن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وأحد شقيه ساقط " قال الترمذي : إنما أسنده همام. ورواه هشام الدستوائي عن قتادة قال : كان يقال، ولا يعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من حديث همام. وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود في قوله :﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النساء﴾ قال : الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن قال : الحبّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى