الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا [ نُشُوزاً ](١) اَوِ اِعْرَاضاً... (٢) ) الآية [ ١٢٨ ].
قرأ الجحدري(٣) ( أَنْ يَّصَّالَحَا )(٤) بتشديد الصاد وكسر اللام.
وأصله أن يصطلحا ثم أدغم الثاني في الأول أعني : دغم الطاء في الصاد.
( وصلحاً ) منصوب على معنى فيصلح الأمر بينهما صلحاً.
وفي قراءة عبد الله : فلا جناح عليهما [ إن أصلحا ](٥).
ولذلك اعتبر الكوفيون قراءتهم فقرأ(٦) وا " يصلحا " ولقوله : " صلحاً " (٧).
والصلح الاسم، والعرب تضع(٨) الاسم موضع المصدر كقولهم(٩) المطية لمطاء.
فأما من قرأ " يصالحا " فليس " صلحاً " باسم له ولا مصدر، فقراءة(١٠) الكوفيين أقرب(١١) إلى ( صُلْحاً ) من قراءة غيرهم لأن ( صُلْحاً ) اسم الفعل لأصلح.
ومعنى الآية فيما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : " خشيت سودة(١٢) أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت : لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا تقسم لي ففعل " فنزلت " ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ) الآية(١٣).
فالمعنى أنه إن علمت امرأة من بعلها ميلاً إلى غيرها وهو النشوز أو " إعراضاً " أي : إن أعرض عنها بوجهه وبمنفعته فلا جناح عليهما أن يصالحا أي : لا إثم عليهما في الصلح وهو أن ترضى المرأة أن تترك له يومها أو تسمح(١٤) له ببعض ما يجب لها من المنفعة لتستديم المقام عنده وتستعطفه بذلك.
( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) أي : جرب تسمح فبقى(١٥) في حرمتها أولى وأحسن من الطلاق والفرقة.
وقيل :(١٦) المعنى ( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) من الفرقة ولكن حذف لدلالة الكلام عليه.
قال ابن عباس : هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر فيريد أن يتزوجها عليها فيتصالحا على أن لهذه يوماً ولهذه يومين أو ثلاثة أو أكثر(١٧).
وقالت عائشة رضي الله عنها :(١٨) هي المرأة تكون عند الرجل ولعله لا يستكثر منها، ولا يكون لها ولد وتكون له صحبة فتقول له : لا تطلقني وأنت في حل من شأني(١٩).
وعلى هذه المعنى في الآية جميع أهل التفسير.
وروي أن هذه الآية نزلت في خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري(٢٠)، والبعل رافع بن خديج الأنصاري ثم هي عامة(٢١).
قوله :( وَأُحْضِرَتِ الاَنْفُسُ الشُّحَّ ) أي : أنفس(٢٢) النساء. حريصة في الشح على(٢٣) الأيام، وقيل : هو على نصيبها من الرجل، ونفس الرجل في حرصه على المبيت عند من تميل نفسه إليها(٢٤).
وقال عطاء :[ هو ](٢٥) في الأيام والنفقة(٢٦).
وقال ابن جبير : نزلت الآية في صفية(٢٧) زوج النبي ﷺ كانت قد كبرت، فأراد النبي ﷺ أن يطلقها، فاصطلحا على أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة شحاً منها على رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢٨).
وقال ابن زيد وغيره معنى :( وَأُحْضِرَتِ الاَنْفُسُ الشُّحَّ )(٢٩) يعني نفس الزوجة، والزوج لا يترك أحد حقه لصاحبه(٣٠).
قوله :( وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا ) أي : إن تحسنوا أيها الأزواج إلى النساء إذا كرهتم(٣١) منهن شيئاً، وتتقوا الله فيهن في الصحبة بالمعروف، فإن الله لم يزل خبيراً بما تعملون.
١ - ساقط من (أ)..
٢ - الإعراض هو أن يميل عنها، ولا يأنس بها، والنشوز التباعد، انظر: المفردات ٣٤١-٥١٥، واللسان ٥/٤١٧، و٧/١٦٥..
٣ - هو أبو المجشر عاصم بن أبي الصباح العجاج، وقيل ميمون، الجحدري البصري توفي ١٢٨ هـ أخذ عن الحسن ويحيى بن يعمرو، انظر: غاية النهاية ١/٣٩٩..
٤ - كذا وهو خطأ صوابه "يصلحا" بدون ألف، وب(ويصلحا) وردت الرواية في إعراب النحاس ١/٤٥٨، والمحتسب ١/٢٠١، والبحر المحيط ٣/٣٦٣..
٥ - ساقط من (أ)..
٦ - (د): فقير وا..
٧ - في "يصالحا ست قراءات (أ) يصالحا: وهي قراءة: ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. (ب) يصلحا وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. (ج) يصلحا وهي قراءة الجحدري والبتي. (د) يصلحا وهي قراءة عبد ا لله بن مسعود والكوفيين. (هـ) يصالحا وهي قراءة عبيدة السلماني. (و) أن وصالحا وهي قراءة الأعمش السبعة: ٢٣٨، وإعراب النحاس ١/٤٥٨، والمحتسب ١/٢٠٥، وحجة القراءات: ٢١٣، والكشف ١/٣٩٨ وانظر: أيضاً المحرر ٤/٢٧١، والجامع للأحكام ٥/٤٠٥، والبحر ٣/٣٦٣..
٨ - (د): تقطع..
٩ - (د): فقولهم..
١٠ - (د): بقراءة..
١١ - (ج): اضرب..
١٢ - هي سودة بنت زمعة إحدى زوجات الرسول ﷺ وقد تقدمت ترجمتها..
١٣ - انظر: سنن الترمذي أبواب التفسير ٤/٣١٥، وجامع البيان ٥/٣١١ ولباب النقول ٨٤، والدر المنثور ٢/٧١٠..
١٤ - (د): تمسح..
١٥ - كذا... والتعبير غير جيد، [وعند الطبري: والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة وتماسكاً بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق] جامع البيان ٥/٢٠٦/[المدقق]..
١٦ - انظر: جامع البيان ٥/٣٠٦..
١٧ - انظر: المصدر السابق..
١٨ - ساقط من (د)..
١٩ - خرجه البخاري بلفظ قريب منه في كتاب التفسير ٥/١٨٤، جامع البيان ٥/٣٠٧ والدر المنثور ٢/٧١٠..
٢٠ - لم أقف على ترجمتها..
٢١ - أسباب النزول: ١٠٥-١٠٦..
٢٢ - (د): نفس..
٢٣ - كذا....
٢٤ - جامع البيان ٥/٣١١..
٢٥ - ساقط من (أ)..
٢٦ - انظر: المصدر السابق..
٢٧ - هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب توفيت ٥٠ هـ من ذوات الشرف في قومها كانت تدين باليهودية، تزوجها الرسول ﷺ بعد وقعة خيبر وبعد أن أسلمت. انظر: صفة الصفوة ٢/٥١ وأسد الغابة ٦/١٦٩، والإصابة ٤/٣٣٧..
٢٨ - خرجه ابن ماجه في كتاب النكاح ١/٦٣٩ انظر: جامع البيان ٥/٣١٢..
٢٩ - الشح هو البخل مع حرص، والشح أشد من البخل، وأبلغ منه. انظر: المفردات: ٢٦٢، واللسان ٢/٤٩٥..
٣٠ - انظر: جامع البيان ٥/٣١٢..
٣١ - (د): أكرمتم وهو تحريف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى