اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وفيه قولان :
الأول : لن(١) تَقْدِرُوا في التَّسْوِية بَيْنَهُنَّ في مَيْل الطِّبَاع، من الحُبِّ ومَيْل القلب، وإذا لم تَقْدِرُوا(٢) عليه، لَمْ تكُونوا مكَلَّفين به.
قالت المُعْتَزِلَة(٣) : هذا يدلُّ على أن تَكْلِيفَ ما لا يُطَاق، غيْر وَاقِع ولا جائز الوُقُوع، وقد تَقَدَّم إلزامهم(٤) في العِلْمِ والدَّاعِي، وقد يُجَاب أيْضاً : بأنه - تعالى - إنما نَفَى الاسْتِطَاعة الَّتي هي من جِهَة المكَلَّفِ(٥)، ولَمْ يَنْفِ التَّكْلِيف الَّذِي(٦) هو من جهة الشَّارع، فالآيَة لا تَدُلُّ على نَفْيِ التَّكْلِيفِ، وإنما تَدُلُّ على نفي اسْتِطَاعة المكَلَّف(٧).
الثاني : لا يستطيعون التَّسْوِيَةَ بينهن في الأقْوَال والأفْعَال ؛ لأن التَّفَاوُت في الحُبِّ، يوجِبُ التَّفَاوُت في نتائِجِ الحُبِّ ؛ لأن الفِعل بدون الدَّاعِي، [ و ](٨) مع قيام الصَّارف مُحَالٌ.
ثم قال :" فَلاَ تَمِيلُواْ " أي : إلى التي تُحِبُّونها، " كُلَّ المَيْل " في القِسْمة، واللَّفْظ والمَعْنَى : أنكم لَسْتُم تَحْتَرِزُون عن حُصُول التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبِي ؛ لأن ذَلِك خَارِجٌ عن وُسْعكُم، ولكنكم مَنْهِيُّون عن إظْهَار ذلك [ التفاوت ](٩) في القَوْل والفِعْل.
" روي عن رسُول الله ﷺ :[ أنه ](١٠) كان يَقْسِم، ويقول :" هذا قَسَمِي فيما أمْلِكُ، وأنْت أعْلَم بما لا أمْلِكُ " " (١١).
قوله :" كُلَّ المَيْلِ " : نصبٌ على المَصْدرية، وقد تقرر أن " كل " بحسَبِ ما تُضَاف إليه، إنْ أضيفَت إلى مَصْدرٍ - كانت مَصْدَراً - أو ظرفٍ، أو غَيْرِه ؛ فكذلك.
قوله :" فَتَذَرُوهَا " فيه وجهان :
أحدهما : أنه مَنْصُوب بإضْمَارِ " أنْ " في جَوابِ النَّهْي.
والثاني : أنه مَجْزُوم عَطْفاً على الفِعْل قبله، أي : فلا تَذرُوها، ففي الأوَّل نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيٌ عن كلٍّ على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضَّميرُ في " تَذَرُوها " يعود على المُميلِ عنها ؛ لدلالة السِّياق عليها.
قوله :" كالمُعلَّقة " : حال من " ها " في " تَذَروها " فيتعلَّق بمَحْذُوف، أي : فتذُروها مُشْبهةً المُعَلَّقة، ويجُوز عندي : أن يَكُون مفعولاً ثانياً ؛ لأن قولك :" تَذَر " بمعنى : تَتْرك، و " تَرَك " يتعدَّى لاثْنَيْن إذا كان بِمَعْنَى : صيَّر.
والمعنى : لا تَتَّبِعُوا هَوَاكُم، فَتَدَعُوا الأخْرى كالمُعَلَّقَة(١٢) لا أيِّماً، ولا ذَات بَعْل ؛ كما أن الشَّيء المُعَلَّق لا [ يَكُون ](١٣) على الأرْضِ، ولا على السَّماءِ، وفي قِرَاءة(١٤) أبَيِّ :" فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَة "، وفي الحَدِيث :" من كَانَت له امْرأتَانِ يميلُ مع إحْدَاهُمَا، جاء يَوْم القِيَامة وأحدُ شِقَّيْه مَائِلٌ " (١٥).
قوله :" وإن تُصْلِحُوا " بالعدل في القَسْم، و " تَتَّقُوا " : الجور ﴿فإن الله كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ لما حَصَل في القَلْبِ من المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دون بَعْضٍ.
وقيل المعنى : وإن تُصْلحوا ما مَضَى من مَيْلِكُم، وتَتَدَارَكُوه بالتَّوْبَة، وتَتَّقُوا(١٦) في المُسْتَقْبَل عن مِثْلِه، غفر اللَّه لكم ذَلِكَ، وهذا أوْلَى ؛ لأن التَّفَاوُت في المَيْل القَلْبي ليس في الوُسْع، فلا يحتاج إلى المَغْفِرَة.
١ في ب: أن لا..
٢ في ب: يقدروا..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥٤..
٤ في ب: لإلزامهم..
٥ في ب: التكيف..
٦ في أ: الديني..
٧ في ب: التكليف..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ هذا الحديث مخرج من وجهين الأول: من رواية أبي قلابة مرسلا أخرجه الترمذي في السنن ٣/٤٤٦، كتاب النكاح باب ما جاء في التسوية بين الضرائر عقب الحديث(١١٤٠)، وقال:( وهذا- أي الإرسال- أصح من حديث حماد بن سلمة) وحديث حماد بن سلمة، من طريق عائشة مرفوعا، وقال ابن حجر في التخليص الحبير ٣/١٣٩، كتاب النكاح (٤٤)، في التخفيف في النكاح، الحديث (١٤٦٦) (وأعله النسائي، والترمذي، والدارقطني بالإرسال، وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدا تابع حماد بن سلمة على وصله).
والثاني: عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا، أخرجه أحمد في المسند ٦/١٤٤، وأخرجه الدارمي في السنن ٢/١٤٤، كتاب النكاح، باب في القسمة بين النساء، وأخرجه أبو داود في السنن ٢/٦٠١، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء، الحديث(٢١٣٤)، وأخرجه الترمذي في السنن ٣/٤٤٦، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، الحديث (١١٤٠) واللفظ له، وأخرجه النسائي في المجتبى من السنن ٧/٦٣-٦٤، كتاب عشرة النساء (٣٦)، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه... ، وأخرجه ابن ماجه في السنن ١/٦٣٣، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء (٤٧) الحديث (١٩٧١) وأخرجه ابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن، ص ٣١٧، كتاب النكاح (١٧)، باب ما جاء في القسم، الحديث (١٣٠٥)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/١٨٧، كتاب النكاح، باب التشديد في العدل... ، قال:(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي..

١٢ في أ: كالنوطة..
١٣ سقط في أ..
١٤ ينظر: المحور الوجيز ٢/١٢١، والبحر المحيط ٣/٣٨١..
١٥ أخرجه أحمد في المسند ٢/٣٤٧، وأخرجه الدارمي في السنن ٢/١٤٣، كتاب النكاح، بال العدل بين النساء وأخرجه أبو داود في السنن ٢/٦٠٠-٦٠١ كتاب النكاح: باب في القسم بين النساء الحديث (٣١٣٣)، وأخرجه الترمذي في السنن ٣/٤٤٧، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر الحديث (١١٤١) واللفظ له، وأخرجه النسائي في المجتبى من السنن ٧/٦٣، كتاب عشرة النساء باب ميل الرجل إلى بعض نسائه وأخرجه ابن ماجه في السنن ١/٦٣٣ كتاب النكاح باب القسمة بين النساء الحديث (١٩٦٩) وأخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣١٧، كتاب النكاح باب في غيرة النساء( ١٣٠٧)..
١٦ في أ: وتنفقوا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى