روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء﴾ أي لا تقدروا ألبتة على العدل بينهن بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب ( إحداهن ) في شأن من الشؤون كالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه. وأخرج البيهقي عن عبيدة أنه قال : لن تستطيعوا ذلك في الحب والجماع، وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال : في الجماع، وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن وابن جرير عن مجاهد أنهما قالا : في المحبة، وأخرجا عن أبي مليكة أن الآية نزلت في عائشة رضي الله تعالى عنها وكان رسول الله ﷺ يحبها أكثر من غيرها، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عنها أنها قالت :" كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " وعنى ﷺ :«بما تملك » المحبة وميل القلب الغير الاختياري ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ على إقامة ذلك وبالغتم فيه ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾ أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها حقها من غير رضا منها واعدلوا ما استطعتم فإن عجزكم عن حقيقة العدل لا يمنع عن تكليفكم بما دونها من المراتب التي تستطيعونها، وانتصاب ﴿كُلٌّ﴾ على المصدرية فقد تقرر أنها بحسب ما تضاف إليه من مصدر أو ظرف أو غيره ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ أي فتدعوا التي ملتم عنها ﴿كالمعلقة﴾ وهي كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : التي ليست مطلقة ولا ذات بعل، وقرأ أبيّ كالمسجونة وبذلك فسر قتادة المعلقة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المنصوب في ﴿*تذروها﴾ وجوز السمين كونه في موضع المفعول الثاني لتذر على أنه بمعنى تصير، وحذف نون ﴿*تذروها﴾ إما للناصب وهوأن المضمرة في جواب النهي، إما للجازم بناءاً على أنه معطوف على الفعل قبله، وفي الآية ضرب من التوبيخ، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :" قال رسول الله ﷺ : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط "، وأخرج غير واحد عن جابر بن زيد أنه قال : كانت لي امرأتان فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعدّ القبل، وعن مجاهد قال : كانوا يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى في الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه، وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى. ﴿كالمعلقة وَإِن تُصْلِحُواْ﴾ ما كنتم تفسدون من أمورهن ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الميل الذي نهاكم الله تعالى عنه فيما يستقبل ﴿فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً﴾ فيغفر لكم ما مضى من الحيف ﴿رَّحِيماً﴾ فيتفضل عليكم برحمته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ( هذا ومن باب الإشارة في الآيات ) أما في قوله سبحانه :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء﴾ إلى قوله عز وجل :﴿وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً﴾ [ النساء : ١٢٧ ١٣٠ ] فقد قال النيسابوري فيه : إن النفس للروح كالمرأة للزوج، ﴿مّنَ النساء﴾ صفات النفوس، و ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ما أوجب الله تعالى من الحقوق. وحاصل المعنى إن نفسك مطيتك فارفق بها، وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿والصلح خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ [النساء: ١٢٨] فالروح تشح بترك حقوق الله تعالى، والنفس تشح بترك حظوظها فلا تميلوا كل الميل في رفض حظوظ النفس، فقد جاء في الخبر «إن لنفسك عليك حقاً» ﴿فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩] بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ أي الروح والنفس ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ﴾ فالروح يجتذب بجذبة خل نفسك وائتني إلى سعة غنى الله تعالى في عالم هويته فيستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود، والنفس تجتذب بجذية ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله تعالى في عالم ﴿فادخلى فِى عِبَادِى وادخلى جَنَّتِى﴾ [ الفجر : ٢٨ ٣٠ ] انتهى، ولايخفى أن باب التأويل واسع، وما ذكره ليس بمتعين فيمكن أن تجعل الآية في شأن الشيخ والمريد