البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
المعلقة : هي التي ليست مطلقة ولا ذات بعل.
قال الرجل : هل هي إلا خطة، أو تعليق، أو صلف، أو بين ذاك تعليق.
وفي حديث أم زرع : زوجي العشنق إن انطق أطلق، وإن أسكت أعلق » شبهت المرأة بالشيء المعلق من شيء، لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق منه.
وفي المثل : أرض من المركب بالتعليق.
﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ قال ابن عطية : روي أنها نزلت في النبي ﷺ وميله بقلبه إلى عائشة رضي الله عنها انتهى.
ونبه تعالى على انتفاء استطاعة العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة، ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، وفي ذلك عذر للرجال فيما يقع من التفاوت في الميل القلبي، والتعهد، والنظر، والتأنيس، والمفاكهة.
فإن التسوية في ذلك محال خارج عن حد الاستطاعة، وعلق انتفاء الاستطاعة في التسوية على تقدير وجود الحرص من الانسان على ذلك.
وقيل : معنى أن تعدلوا في المحبة قاله : عمر، وابن عباس، والحسن.
وقيل : في التسوية والقسم.
وقيل : في الجماع.
وعن النبي ﷺ « أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذاني فيما تملك ولا أملك » يعني المحبة، لأنّ عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه وكان عمر يقول : اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل فيه.
﴿ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ نهى تعالى عن الجور على المرغوبعنها بمنع قسمتها من غير رضا منها، واجتناب كل الميل داخل في الوسع، ولذلك وقع النهي عنه أي : إن وقع منكم التفريط في شيء من المساواة فلا تجوروا كل الجور.
والضمير في فتذروها عائد على الميل عنها المفهوم من قوله : فلا تميلوا كل الميل.
وقرأ أُبيّ : فتذروها كالمسجونة.
وقرأ عبد الله : فتذروها كأنها معلقة.
وتقدم تفسير المعلقة في الكلام على المفردات.
وقال ابن عباس : كالمحبوسة بغير حق.
وقيل : معنى كالمعلقة كالبعيدة عن زوجها.
قيل : أو عن حقها، ذكره الماوردي مأخوذ من تعليق الشيء لبعده عن قراره.
وتذروها يحتمل أن يكون مجزوماً عطفاً على تميلوا، ويحتمل أن يكون منصوباً بإضمار أن في جواب النهي.
وكالمعلقة في موضع نصب على الحال، فتتعلق الكاف بمحذوف.
وفي الحديث :« من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل » والمعنى : يميل مع إحداهما كل الميل، لا مطلق الميل.
وقد فاضل عمر في عطاء بين أزواج رسول الله ﷺ، فأبت عائشة وقالت : إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه، فساوى عمر بينهن، وكان لمعاذ امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد.
﴿وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً﴾ قال الزمخشري : وإن تصلحوا ما مضى من قبلكم وتتداركوه بالتوبة، وتتقوا فيما يستقبل، غفر الله لكم انتهى.
وفي ذلك نزغة الاعتزال.
وقال ابن عطية : وإن تصلحوا ما أفسدتم بسوء العشرة، وتلزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون، فإن الله كان غفوراً لما تملكونه متجاوزاً عنه.
وقال الطبري : غفوراً لما سلف منكم من الميل كل الميل قبل نزول الآية انتهى.
فعلى هذا هي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم واقعوا المحظور في مدّة النبي ﷺ، وختمت تلك بالإحسان، وهذه بالإصلاح.
لأنّ الأولى في مندوب إليه إذ له أن لا يحسن وإن يشح ويصالح بما يرضيه، وهذه في لازم، إذ ليس له إلا أن يصلح، بل يلزمه العدل فيما يملك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبديع فنوناً التجنيس المغاير في : أن يصالحا بينهما صلحاً، وفي : فلا تميلوا كل الميل، وفي : فقد ضل ضلالاً، وفي : كفروا وكفروا.
والتجنيس المماثل في : ويستفتونك ويفتيكم، وفي : صلحاً والصلح، وفي : جامع وجميعاً.
والتكرار في : لفظ النساء، وفي لفظ يتامى، واليتامى، ورسوله، ولفظ الكتاب، وفي آمنوا ثم كفروا، وفي المنافقين.
والتشبيه في : كالمعلقة.
واللفظ المحتمل للضدين في : ترغبون أن تنكحوهن.
والاستعارة في : نشوزاً، وفي : وأحضرت الأنفس الشح، وفي : فلا تميلوا، وفي : قوامين، وفي : وإن تلووا أو تعرضوا، وفي : ازدادوا كفراً ولا ليهديهم سبيلاً، وفي : يتربصون، وفي : فتح من الله، وفي : ألم نستحوذ، وفي : سبيلاً.
وهذه كلها للأجسام استعيرت للمعاني.
والطباق في : غنياً أو فقيراً، وفي : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا واتباع الهوى جور وفي الكافرين والمؤمنين.
والاختصاص في : بما تعملون خبيراً خص العمل.
والالتفات في : وقد نزل عليكم إذا كان الخطاب للمنافقين.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى