اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
اعلم أنَّ أقسام الوراثة ثلاثة :
قسم لا يسقط بحال وهم : الآباء والأولاد والأزواج قسمان، والثَّالِثُ هو المسمى بالكلالة وهذا القسم متأخر عن القسمين الأوَّلين لأنه قد يعرض لهم السُّقوط بالكليَّة، ولأنَّهم يدلون إلى الميِّتِ بواسطة، والقسمان الأوَّلان يدلون بأنفسهم فقدَّمَ اللَّهُ تعالى الوارث بالنَّسب ؛ لأنَّهُ أعلاها ثمَّ ثنى بذكر الوارث بالسَّبب الَّذي لا يسقط بحال، لأنَّهُ دون الأوَّلِ وهو الزوجان ثم ذكر القسم الثَّالث بعدهما ؛ لأنَّهُ دونهما، ولما جعل نصيب الذَّكر مثل حظ الأنثيين في الوارث النّسبي كذلك جعل حظّ الرَّجُلِ مثل حظِّ الأنثيين في الوارث السببي فقال ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾(١) وسواء كان الولد من الزوج، أو من غيره وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى، ولا فرق بين الأوَّلادِ وأولاد الأولاد.

فصل : الخلاف في غسل الزوج زوجته بعد موتها


ذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّهُ يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يغسل(٢) زوجته لقوله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ فسمَّاها زوجة بعد الموت.
قال أبو حنيفة : لا يَجُوزُ ؛ لأنَّهَا ليست زوجة ؛ لأنَّهُ لا يحلُّ وطؤها بعد الموت.
وأجيب بأنَّها لو لم تكن زوجة لكان قوله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ مجازاً، وقد ثبت أنَّ التَّخْصيص أولى من المجاز عند التَّعارُضِ، وأيضاً فقد حَرُمَ الوطء في صورٍ كَثِيرَةٍ مع وجود الزوجيَّة(٣) كزمن الحيض والنفاس نهار رمضان، وعند الصّلوات المفروضة، والحج المفروض.
ثمَّ قال :﴿فلهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم فإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾ وسواء كانت واحدة أو أربعاً فهم فيه سواء، وهذه الآية تدلُّ على فضل الرَّجل على المرأة لتفضيلهم في النَّصِيبِ، ولأنَّهُ ذكر الرِّجَالَ على سبيل المخاطبة وذكر النساء على سبيل المغايبة.
قوله :﴿وإن كان رجل يورثه كلالة﴾ اضْطَرَبَتْ أقوال العلماء في هذه ولا بُدَّ قبل التعرُّض للإعراب من ذكر معنى ﴿الْكَلاَلَةِ﴾ واشتقاقها، فإنَّ الإعراب متوقف على ذلك، فتقول : اختلف الناس في معنى ﴿الْكَلاَلَةِ﴾
فقال جمهور اللغويين وغيرهم : إنَّه الميت الَّذي لا وَلَدَ لَهُ ولا والد، وهو قول عليٍّ وابن مسعودٍ.
وقيل : الَّذي لا والد له فقط، وهو قول عمر.
وقيل : الَّذي لا ولد له فقط.
وقيل : هو من لا يرثه أبٌ ولا أم، وعلى هذه الأقوال كلِّها فالكلالةُ واقعة على الميت.
وقيل : الكَلاَلَةُ : الورثة ما عدا الأبوين(٤) والولد، قاله قُطْرب، وهو اختيار أبي بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وسموا بذلك ؛ لأنَّ الميِّت بذهاب طرفيه تُكَلِّلُهُ الورثة، أي : أحاطوا به من جميع نواحيه، ويُؤَيَّدُ هذا القول بأنَّ الآية نزلت في جَابِرٍ، ولم يَكُنْ له يَوْمَ نزلت أبٌ ولا ابن.
وأيضاً يقال(٥) : كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة وحمل فلان على فلان ثمَّ كَلَّ عنه إذا تباعد، فسميت القرابةُ البعيدةُ كلالة من هذا الوجه.
وأيضاً يقال : كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلاًّ وكَلاَلَةً : إذا أعيا وذهبت قوَّته، فاستعاروا هذا اللفْظ عن القرابة الحاصلة، من غير أولاد لبعدها(٦).
وأيضاً فإنَّهُ تعالى قال ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكلالة من لا ولد له ولا والد ؛ لأنَّهُ شرط عدم الولد وَورَّثَ الأخت والأخ، وهما لا يرثانِ مع وجود الأب.
" وروى جابر قال(٧) : مَرِضْتُ مَرَضاً شديداً أشرفتُ منه على الموت، فأتاني النبي ﷺ فقلتُ : يا رسول الله إنِّي رَجُلٌ لا يَرِثُنِي إلاَّ كَلاَلَة "، وَأرَادَ به أنَّهُ ليس له والد ولا ولد، وهو قول سعيد بن جُبَيْرٍ وإليه ذهب أكثرُ الصَّحَابَةَ.
وروي عن عمر أيضاً أنَّهُ قال :" سألت رسول اللَّهِ ﷺ عن الكلالة فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها، ضرب بيده صدري وقال " يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ "، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء سميت بذلك ؛ لأنها نزلت في الصَّيْفِ، ومات ولم يَفْهَمْهَا ولم يقل فيها شيئاً.
وقيل :﴿الْكَلاَلَةِ﴾ : المالُ الموروث، وهو قول النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ.
وقيل :﴿الْكَلاَلَةِ﴾ القرابة، وقيل : الوراثة.
فقد تلخص مما تقدم أنَّها [ إمَّا ](٨) الميِّتُ الموروث أو الوارثُ، أو المال الموروثُ، أو الإرْث، أو القرابة.
وأما اشتقاقها : فقيل : هي مشتقة من تَكَلَّلَهُ الشَّيء، أي(٩) : أحاط به، وذلك أنَّهُ إذا لم يترك ولداً ولا والداً فقط انقطع طَرَفَاهُ، وهما عَمُودَا نَسَبِهِ(١٠) وبقي مال الموروثُ لِمَنْ يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ، أي : يحيط به كالإكْليلِ.
ومنه " الروضة المكللة " أي : بالزَّهْرِ، وعليه قول الفرزدق :[ الطويل ]
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ المَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍعَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ(١١)
وقيل : اشتقاقها من " الكلال " وهو الإعْيَاء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث من بَعْدِ إعياء.
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ : و " الكلالة " في الأصل : مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوَّةِ من الإعياء.
قال الأعشى :[ الطويل ]
فَآلَيْتُ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍوَلاَ مِنْ وَحًى حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّدَا(١٢)
فاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، ولأنَّهَا بالإضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة، وأجاز فيها أيضاً أن تكون صفة على وزن " فَعَالة "، قال :" كالهَجَاجَةِ والفَقَاقَةِ للأحْمَقِ ".
ويقال : رجل كلالة، وامرأةٌ كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع ؛ لأنَّهُ مصدر كالدّلالة والوَكَالة.
إذا تقرَّرَ هذا فَلْنَعد إلى الإعراب بعَوْنِ الله، فتقول : يجوز في " كان " وجهان :
أحدهما : أن تكون ناقصة و " رجل " اسمها، وفي الخبر احتمالان :
أحدهما : أنه " كلالة " إن قيل : إنها الميت، وإن قيل : إنَّها الوارث، أو غير ذلك، فَتُقَدَّر حذف مضاف، أي : ذَا كلالة، و " يورث " حينئذٍ في محلَِّ رفع صفة ل " رجل " وهو فِعْلٌ مبنيٌّ للمفعول، ويتعدّى في الأصل لاثْنَيْنِ أُقيم الأوَّلُ مقامَ الفاعلِ، وهو ضمير الرَّجُلِ.
والثَّاني : محذوف تقديره : يورث هو مَالَهُ، وَهَلْ هذا الفِعلُ من " ورث " الثُّلاثي أو " أورث " الرُّبَاعيُّ ؟.
فيه خلافٌ، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا جَعَلَهُ مِنَ الثُّلاثي جعله يتعَدَّى إلى [ المفعول ](١٣) الأوَّلِ من المفعولين ب " من " فإنَّهُ قال [ وإن كان رجل يورث من كلالة ](١٤) و " يورث " من وَرِثَ(١٥) أي : يورث فيه يعني أنَّهُ في الأصْلِ يتعدَّى ب " مِنْ ". [ قال :](١٦) وقد تُحْذَفُ، تقولُ :" وَرِثْتُ زَيْداً مَالَهُ " أي : مِنْ زيد، ولَمَّا جَعَلَه مَنْ " أورث " جعل الرَّجُلَ وارثاً لا موروثاً، فإنَّهُ قال :" فإنْ قلتَ : فإن جَعَلْتَ تُورَثُ على البناء للمفعول من " أورث " فما وَجْهُهُ ؟.
قلتُ : الرَّجُلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ ".
وقال أبُو حيَّان(١٧) : إنَّهُ من " أورث " الرُّباعِيِّ المبنيِّ للمفعول، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بالمعنى الذي قيده به الزَّمَخْشَرِيُّ.
الاحتمالُ الثَّاني : أن يكون الخبرُ الجملة من " يورث ".
وفي نَصْبِ ﴿كَلاَلَةً﴾ أربعةُ أوْجُهٍ :
أحدها : أنَّهُ حال من الضمير في " يورث "، إنْ أُرِيدَ بها الميِّتُ، أو الوارثُ، إلاَّ أنَّهُ يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضافٍ، أي : يُورث ذا كَلاَلَةٍ ؛ لأنَّ الكلالة حينئذٍ ليست نفس الضَّمير المستكن في ﴿يُورَثُ﴾.
قال أبُو البَقَاءِ(١٨) : على جعلها بمعنى الميت ولو قُرِئَ " كلالةٌ " بالرَّفع على أنَّهَا صفةٌ أو بدلٌ من الضَّميرِ في ﴿يُورَثُ﴾ لجاز، غير أنِّي لم أعرف أحداً قَرَأ به، فلا يُقْرأنَّ إلا بما نُقِلَ. يعني بكونها صفةً : أنَّهَا صفةٌ ل " رَجُل ".
الثَّاني : أنَّهَا مفعولٌ من أجله، إنْ قيل : إنَّهَا بمعنى القرابة، أي : يُورَثُ لأجل الكلالة.
الثَّالثُ : أنَّهُ مفعول ثَانٍ ل ﴿يُورَثُ﴾ إن قيل : إنَّها بمعنى المال المَوْرُوثِ.
الرَّابعُ : أنَّها نعتٌ لمصدر محذوفٍ، إن قيل : إنَّهَا بمعنى الوِرَاثَةِ، أي : يُورَثُ وِرَاثَةَ كَلاَلَةٍ.
وقدَّرَ مَكِّيٌّ في هذا الوجه حَذْفَ مضافٍ تقديره :" ذَات كَلاَلَةٍ ".
وأجاز بعضهم على كونها بمعنى الوراثة أن تكون حالا.
الوجه الثَّاني من وجهي " كان " أن تكون تَامّةً، فيُكْتَفى بالمرفوع، أي : وَإن وُجِدَ رجل. و ﴿يُورَثُ﴾ في محلِّ رفع صِفَةٍ ل " رَجُل " و ﴿كَلاَلَةً﴾ منصوبةٌ على ما تَقَدَّمَ من الحال، أو المفعول من أجله أو المفعول به، أو النَّعت لمصدرٍ محذوف عَلَى ما قُرِّرَ من معانيها، وَيخُصُّ هذا وجه آخر ذكره مَكيٌّ، وهو أن تَكُونَ ﴿كَلاَلَةً﴾ منصوبة على التمييزِ.
[ قال مَكِّيٌّ :" كان " أي : وقع، و ﴿يُورَثُ﴾ نعت للرَّجُل و " رجل " رفع ب " كان " و ﴿كَلاَلَةً﴾ نصب على التفسير ](١٩).
وقيل : هو نصبٌ على الحال على أنَّ الكَلاَلَةَ هو الميِّت على هذين الوجهين، وفي جعلها تَفْسيراً - أي : تمييزاً - نظرٌ لا يَخْفى.
وقرأ الجمهور :﴿يُورَثُ﴾ مبنيّاً للمفعولِ كما تَقَدَّمَ توجيهه.
وقرأ الحسن(٢٠) : يورث مبنيّاً للفاعل، ونُقِلَ عنه أيضاً، وعن أبي رَجَاءَ كذلك، إلاَّ أنَّهما شدَّدا الراء، وتوجيه القراءتين واضح مِمَّا تقدَّم، وذلك أنَّهُ إنْ أُريد بالكلالة الميِّتُ، فيكون المفعولان محذوفين، و ﴿كَلاَلَةً﴾ نَصْبٌ على الحال، أي : وَإنْ كان رجلٌ يُورِثُ وَارثَهُ، أوْ أهْلَهُ مالَه في حال كَوْنِهِ كَلالَةً.
وَإِنْ أُرِيدَ بها القرابة، فتكون منصوبةً على المفعول مِنْ أجْله، والمفعولان أيضاً محذوفان على ما تَقَدَّمَ تقريره، وَإنْ أُرِيدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً، والأوَّلُ محذوفٌ أي : يُورِثُ أهْلَهُ مَالَهُ، وَإنْ أُريدَ بها الوارثُ فبالعكس، أي : يُورِثُ مالَه أهلَه.
قوله :﴿أَو امْرَأَةٌ﴾ عطف على ﴿رَجُلٌ﴾ وحُذِفَ منها ما أُثْبِتَ في المعطوف عليه للدلالة على ذلك، التَّقديرُ : أو امرأةٌ تُورَثُ كَلاَلَةً، وإنْ كان لا يَلْزَمُ من تقييد المعطوف عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس، إلاَّ أنَّهُ هو الظَّاهِرُ.
وقوله :﴿وَلَهُ أَخٌ﴾(٢١) جملة مِنْ مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ نصبٍ على الحال، والواو الدَّاخلة عليها واوُ الحال، وصاحبُ الحال إمَّا ﴿رَجُلٌ﴾ أي : إنْ كان ﴿يُورَثُ﴾ صفةً له، وإمَّا الضَّميرُ المستتر في ﴿يُورَثُ﴾ وَوَحَّدَ الضمير في قوله :" وله " ؛ لأنَّ العطف ب " أو " وما ورد على خلاف ذلك أوِّلَ عند الجم
١ في أ: ترك..
٢ في ب: غسل..
٣ في أ: الزوجين..
٤ في أ: اسم للأبوين..
٥ ينظر: الرازي ٩/١٧٩..
٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٧٩..
٧ ينظر: الرازي ٩/١٨٠..
٨ سقط في ب..
٩ في ب: إذا..
١٠ في أ: على عمود النسبة..
١١ ينظر البيت في ديوانه ص (٦٢) وهو هكذا:
ورثتم قناة الملك غير كلالةعن ابن مناف عبد شمس وهاشم
والبحر ٣/١٩٧ والدر المصون ٢/٣٢٤..

١٢ ينظر البيت في ديوانه (١٨٥)، وخزانة الأدب ١/١٧٧، وشرح شواهد المغني ٢/٥٧٧، والأشباه والنظائر ٦/٩٠، وشرح المفصل ١٠/١٠٠ والدر المصون ٢/٣٢٤، والكشاف ١/٤٨٥ وفي رواية "ومى"، وفي أخرى "حفى"..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في ب..
١٥ في ب: يرث..
١٦ سقط في ب..
١٧ ينظر البحر المحيط ٣/١٩٧..
١٨ ينظر الإملاء ١/١٦٩..
١٩ سقط في ب..
٢٠ انظر: المحرر الوجيز ١/١٩، والبحر المحيط ٣/١٩٧، والدر المصون ٢/٣٢٥..
٢١ في أ: ولد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى