جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لّمْ يَكُنْ لّهُنّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنّ الرّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِن لّمْ يَكُنْ لّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنّ الثّمُنُ مِمّا تَرَكْتُم مّن بَعْدِ وَصِيّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصَىَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرّ وَصِيّةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ولكم أيها الناس نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن من مال وميراث إن لم يكن لهنّ ولد يوم يحدث لهنّ الموت لا ذكر ولا أنثى. ﴿فإنْ كَانَ لهُنّ وَلَدٌ﴾ أي فإن كان لأزواجكم يوم يحدث لهنّ الموت ولد ذكر أو أنثى، فلكم الربع مما تركن من مال وميراث، ميراثا لكم عنهنّ، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِينَ بها أو دَيْنٍ﴾ يقول : ذلكم لكم ميراثا عنهنّ مما يبقى من تركاتهنّ وأموالهنّ من بعد قضاء ديونهنّ التي يمتن وهي عليهن، ومن بعد إنفاذ وصاياهنّ الجائزة إن كنّ أوصين بها.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿ولهُنّ الرّبُعُ مِمّا تَركْتُمْ إنْ لمْ يَكُنْ لَكُمْ ولَدٌ فإنْ كانَ لَكُمْ ولَدٌ فَلَهُنّ الثّمُنُ مِمّا تَركْتُمْ مِنْ بَعْدِ وِصّيةٍ تُوصُون بِها أوْ ديْنٍ﴾ :
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿ولهُنّ الرّبُعُ مِمّا تَركْتُمْ إنْ لمْ يَكُنْ لَكُمْ ولَدٌ﴾ : ولأزواجكم أيها الناس ربع ما تركتم بعد وفاتكم من مال وميراث إن حدث بأحدكم حدث الوفاة ولا ولد له ذكر ولا أنثى. ﴿فإنْ كانَ لَكُمْ ولَدٌ﴾ يقول : فإن حدث بأحدكم حدث الموت وله ولد ذكر أو أنثى، واحدا كان الولد أو جماعة، ﴿فَلَهُنّ الثّمُنُ مِمّا تَركْتُمْ﴾ يقول : فلأزواجكم حينئذ من أموالكم وتركتكم التي تخلفونها بعد وفاتكم الثمن من بعد قضاء ديونكم التي حدث بكم حدث الوفاة وهي عليكم، ومن بعد إنفاذ وصاياكم الجائزة التي توصون بها. وإنما قيل :﴿مِنْ بَعْدِ وِصّيةٍ تُوصُون بِها أوْ ديْنٍ﴾ فقدّم ذكر الوصية على ذكر الدين، لأن معنى الكلام : إن الذي فرضت لمن فرضت له منكم في هذه الآيات إنما هو له من بعد إخراج أيّ هذين كان في مال الميت منكم، من وصية أو دين. فلذلك كان سواء تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديم ذكر الدين قبل ذكر الوصية، لأنه لم يرد من معنى ذلك إخراج أحد الشيئين : الدين والوصية من ماله، فيكون ذكر الدين أولى أن يبدأ به من ذكر الوصية.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه : وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة.
ثم اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ ذلك عامة قراء أهل الإسلام :﴿وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً﴾ يعني : وإن كان رجل يورَث متكلل النسب. فالكلالة على هذا القول مصدر من قولهم : تكلله النسب تكللاً وكلالة، بمعنى : تعطف عليه النسب. وقرأه بعضهم :«وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً » بمعنى : وإن كان رجل يورث من يتكلله، بمعنى : من يتعطف عليه بنسبه من أخ أو أخت.
واختلف أهل التأويل في الكلالة، فقال بعضهم : هي ما خلا الوالد والولد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الوليد بن شجاع السكوني، قال : ثني عليّ بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي، قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : إني قد رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني والشيطان، والله منه بريءٌ¹ إنّ الكلالة ما خلا الولد والوالد. فلما استخلف عمر رضي الله عنه، قال : إني لأستحيي من الله تبارك وتعالى أن أخالف أبا بكر في رأي رآه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عاصم الأحول، قال : حدثنا الشعبي : أن أبا بكر رضي الله عنه، قال في الكلالة : أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله : هو ما دون الولد والوالد. قال : فلما كان عمر رضي الله عنه، قال : إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر.
حدثنا أبو بشر بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن الشعبي : أن أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قالا : الكلالة من لا ولد له ولا والد.
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن عمران بن حدير، عن السميط، قال : كان عمر رجلاً أيسر، فخرج يوما وهو يقول بيده هكذا، يديرها، إلا أنه قال : أتى عليّ حينٌ ولست أدري ما الكلالة، ألا وإن الكلالة : ما خلا الولد والوالد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن أبي بكر، قال : الكلالة ما خلا الولد والوالد.
حدثني يونس، قال : أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال : الكلالة من لا ولد له ولا والد.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت ابن جريج يحدّث عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال : الكلالة من لا ولد له ولا والد.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن الحنفية، عن ابن عباس، قال : الكلالة : ما خلا الولد والوالد.
حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن ابن عباس، بمثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد السلولي، عن ابن عباس، قال : الكلالة : ما خلا الولد والوالد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ﴾ قال : الكلالة : من لم يترك ولدا ولا والدا.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال : ما رأيتهم إلا قد اتفقوا أن ما مات ولم يدع ولدا ولا والدا أنه كلالة.
حدثنا تميم بن المنتصر، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال : ما رأيتهم إلا قد أجمعوا أن الكلالة : الذي ليس له ولد ولا والد.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال : الكلالة : ما خلا الولد والوالد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال : أدركتهم وهم يقولون : إذا لم يدع الرجل ولدا ولا والدا وُرِثَ كلالة.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ﴾ والكلالة : الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جدّ ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الإخوة من الأم.
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، قال في الكلالة : ما دون الولد والوالد.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : الكلالة كل من لا يرثه والد ولا ولد، وكل من لا ولد له ولا والد فهو يورث كلالة من رجالهم ونسائهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة والزهري وأبي إسحاق، قال : الكلالة : من ليس له ولد ولا والد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن محمد، عن معمر، عن الزهري وقتادة وأبي إسحاق، مثله.
وقال آخرون : الكلالة : ما دون الولد. وهذا قول عن ابن عباس، وهو الخبر الذي ذكرناه قبل من رواية طاوس عنه أنه ورث الإخوة من الأم السدس مع الأبوين.
وقال آخرون : الكلالة : ما خلا الوالد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا سهل بن يوسف، عن شعبة، قال : سألت الحكم عن الكلالة ؟ قال : فهو ما دون الأب.
واختلف أهل العربية في الناصب للكلالة¹ فقال بعض البصريين : إن شئت نصبت كلالة على خبر كان، وجعلت «يورث » من صفة الرجل، وإن شئت جعلت «كان » تستغني عن الخبر نحو : وقع، وجعلت نصب كلالة على الحال : أي يورث كلالة، كما يقال : يضرب قائما. وقال بعضهم : قوله «كلالة »، خبر «كان »، لا يكون الموروث كلالة، وإنما الوارث الكلالة.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي : أن الكلالة منصوب على الخروج من قوله ﴿يُورَثُ﴾ وخبر «كان » «يورث ». والكلالة وإن كانت منصوبة بالخروج من يورث، فليست منصوبة على الحال، ولكن على المصدر من معنى الكلام، لأن معنى الكلام وإن كان رجل يورث متكلله النسب كلالة، ثم ترك ذكر متكلله اكتفاء بدلالة قوله :«يورث » عليه.
واختلف أهل العلم في المسمى كلالة، فقال بعضهم : الكلالة : الموروث، وهو الميت نفسه، سمي بذلك إذا ورثه غير والده وولده. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ قولهم في الكلالة، قال : الذي لا يدع والدا ولا ولدا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس، قال : كنت آخر الناس عهدا بعمر رضي الله عنه، فسمعته يقول ما قلت، قلت : وما قلت ؟ قال : الكلالة : من لا ولد له.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن ابن عباس، قال : الكلالة : من لا ولد له ولا والد.
وقال آخرون : الكلالة : هي الورثة الذين يرثون الميت إذا كانوا إخوة أو أخوات أو غيرهم إذا لم يكونوا ولدا ولا والدا على ما قد ذكرنا من اختلافهم في ذلك.
وقال آخرون : بل الكلالة : الميت والحيّ جميعا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : الكلالة : الميت الذي لا ولد له ولا والد، والحيّ كلهم كلالة، هذا يرث بالكلالة، وهذا يورث بالكلالة.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله هؤلاء، وهو أن الكلالة الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده، وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أنه قال : قلت يا رسول الله، إنما يرثني كلالة، فكيف بالميراث ؟ وبما :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، قال : كنا مع حميد بن عبد الرحمن في سوق الرقيق، قال : فقام من عندنا ثم رجع، فقال : هذا آخر ثلاثة من بني سعد حدثوني هذا الحديث، قالوا : مرض سعد بمكة مرضا شديدا، قال : فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فقال : يا رسول الله لي مال كثير، وليس لي وارث إلا كلالة، فأوصي بمالي كله ؟ فقال :«لا ».
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد، قال : جاء شيخ إلى عمر رضي الله عنه، فقال :