فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم إِنْ لمْ يَكُنْ لهُنَّ وَلَدٌ﴾ الخطاب هنا للرجال. والمراد بالولد ولد الصلب، أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ﴾، وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف، ومع وجوده، وإن سفل الربع. وقوله :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ الخ الكلام فيه، كما تقدم. قوله :﴿وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لمْ يَكُنْ لكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم﴾ هذا النصيب مع الولد، والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات، ويشترك فيه الأكثر من واحدة لا خلاف في ذلك، والكلام في الوصية، والدين، كما تقدّم. قوله :﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة﴾ المراد بالرجل الميت، و ﴿يُورَثُ﴾ على البناء للمفعول من ورث لا من أورث، وهو خبر كان و ﴿كلالة﴾ حال من ضمير ﴿يُورَثُ﴾ أي : يورث حال كونه ذا كلالة، أو على أن الخبر كلالة، ويورث صفة لرجل، أي : إن كان رجل يورث ذا كلالة ليس له ولد، ولا والد، وقرئ ﴿يُورَثُ﴾ مخففاً، ومشدداً، فيكون كلالة مفعولاً، أو حالاً، والمفعول محذوف، أي : يورث، وأريد حال كونه ذا كلالة، أو يكون مفعولاً له، أي : لأجل الكلالة. والكلالة مصدر من تكلله النسب، أي : أحاط به، وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له، ولا والد، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب العين وأبي منصور اللغوي، وابن عرفة، والقتيبي، وأبو عبيد، وابن الأنباري. وقد قيل : إنه إجماع. قال ابن كثير : وبه يقول أهل المدينة، والكوفة، والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور الخلف، والسلف بل جميعهم. وقد حكى الإجماع غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع انتهى. وروى أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة أنه قال : الكلالة كل من لم يرثه أب، أو ابن، أو أخ، فهو عند العرب كلالة.
قال أبو عمر بن عبد البر : ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب، والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، وما يروى عن أبي بكر، وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه. وقال ابن زيد : الكلالة : الحيّ، والميت جميعاً، وإنما سموا القرابة كلالة ؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، بخلاف الابن، والأب، فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب. وقيل : إن الكلالة مأخوذة من الكلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد، وإعياء. وقال ابن الأعرابي : إن الكلالة بنو العم الأباعد. وبالجملة فمن قرأ :﴿يُورَثُ كلالة﴾ بكسر الراء مشددة، وهو بعض الكوفيين، أو مخففة، وهو الحسن، وأيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ :﴿يُورَثُ﴾ بفتح الراء، وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت، واحتمل أن يكون القرابة. وقد روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والشعبي أن الكلالة ما كان سوى الولد، والوالد من الورثة. قال الطبري : الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده، ووالده، لصحة خبر جابر فقلت : يا رسول الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله ؟ قال :«لا » انتهى. وروي عن عطاء أنه قال : الكلالة المال. قال ابن العربي وهذا قول ضعيف لا وجه له. وقال صاحب الكشاف : إن الكلالة تنطلق على ثلاثة : على من لم يخلف ولداً، ولا والداً، وعلى من ليس بولد، ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. انتهى.
قوله :﴿أَو امرأة﴾ معطوف على رجل مقيد بما قيد به، أي : أو امرأة تورث كلالة. قوله :﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ قرأ سعد بن أبي وقاص من أمّ. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه. قال القرطبي : أجمع العلماء أن الإخوة ها هنا هم الإخوة لأم قال : ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب، والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى :﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين﴾ [النساء: ١٧٦] هم الإخوة لأبوين، أو لأب، وأفرد الضمير في قوله :﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ لأن المراد كل واحد منهما، كما جرت بذلك عادة العرب، إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم، فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفرداً، كما في قوله تعالى :﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] وقوله :﴿يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: ٣٤]. وقد يذكرونه مثنى، كما في قوله :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقد قدمنا في هذا كلاماً أطول من المذكور هنا.
قوله :﴿فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث﴾ الإشارة بقوله :«من ذلك » إلى قوله :﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي : أكثر من الأخ المنفرد، أو الأخت المنفردة بواحد، وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعداً، ذكرين أو أنثيين، أو ذكراً، وأنثى. وقد استدل بذلك على أن الذكر، كالأنثى من الإخوة لأم ؛ لأن الله شرّك بينهم في الثلث، ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى، كما ذكره في البنين، والإخوة لأبوين، أو لأب. قال القرطبي : وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين، أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأمّ، وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للإخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة، ويؤيد هذا حديث :" ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولي رجل ذكر " وهو في الصحيحين، وغيرهما، وقد قررنا دلالة الآية، والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها :«المباحث الدرية في المسألة الحمارية ». وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة، فمن بعدهم معروف.
قوله :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الكلام فيه، كما تقدم. قوله :﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾ أي : يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن يقرّ بشيء ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة. أو يوصي لوارث مطلقاً، أو لغيره بزيادة على الثلث، ولم تجزه الورثة، وهذا القيد أعني قوله :﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾ راجع إلى الوصية، والدين المذكورين، فهو قيد لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له، أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته، فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء، لا الثلث، ولا دونه. قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. انتهى. وهذا القيد أعني عدم الضرار هو قيد لجميع ما تقدّم من الوصية والدين. قال أبو السعود في تفسيره : وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.
قوله :﴿وَصِيَّةً منَ الله﴾ نصب على المصدر، أي : يوصيكم بذلك وصية من الله كقوله :﴿فَرِيضَةً منَ الله﴾ قال ابن عطية : يصح أن يعمل فيها مضار. والمعنى : أن يقع الضرر بها، أو بسببها، فأوقع عليها تجوزاً، فتكون ﴿وصية﴾ على هذا مفعولاً بها ؛ لأن الاسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه منفياً معنى، وقرأ الحسن :" وَصِيَّةً منَ الله " بالجرّ على إضافة اسم الفاعل إليها، كقوله يا سارق الليلة أهل الدار. وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها، فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن جابر قال : عادني رسول الله ﷺ، فقلت : ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت. وقد قدّمنا أن سبب النزول سؤال امرأة سعد بن الربيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري، ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها : أم كحة، وترك خمس جوار، فأخذ الورثة ماله، فشكت ذلك أمّ كحة إلى النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية :﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين﴾ ثم قال في أمّ كحة :﴿وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾.
وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود قال : كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً، فاتبعناه، وجدناه سهلاً، وأنه سئل عن امرأة، وأبوين، فقال : للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي، عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال : إن الأخوين لا يردان الأمّ عن الثلث قال الله :﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان ليس بلسان قومك إخوة، فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه، عن زيد بن ثابت ؛ أنه قال : إن العرب تسمي الأخوين إخوة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، والبيهقي في سننه عن علي قال : إنكم تقرؤون هذه الآية :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأمّ يتوارثون دون بني العلات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿آبائكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ يقول : أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ؛ لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ قال : في الدنيا.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ :«وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمَّ }. وأخرج البيهقي، عن الشعبي قال : ما ورث أحد من أصحاب النبي ﷺ الإخوة لأم مع الجدّ شيئاً قط، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال : قضى عمر أن ميراث الأخوة لأمّ بينهم للذكر مثل الأنثى، قال : ولا أرى عمر قضي بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية التي قال الله :﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وعبد ابن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس قال : الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ :﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾. وقد رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه مرفوعاً. وفي إسناده عمر بن المغيرة أبو حفص المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر : ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم الرازي : هو شيخ. وقال : وعليّ بن المديني : هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير : والصحيح الموقوف. انتهى. ورجال إسناد هذا الموقوف رجال الصحيح، فإن النسائي رواه في سننه، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عنه.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشرّ عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» ثم يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم :﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ إلى قوله :﴿عَذَابٌ مهِينٌ﴾. وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ماجه، عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :«من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة» وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، عن سليمان بن موسى قال : قال رسول الله ﷺ، فذكر نحوه.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص : أن النبي ﷺ أتاه يعوده في مرضه، فقال : إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين ؟ فقال «لا»، قال فالشطر ؟ قال «لا»، قال فالثلث ؟ قال «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل قال : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم : يعني : الوصية. وفي الصحيحين، عن ابن عباس قال : وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ؛ لأن رسول الله ﷺ قال :«الثلث كثير» وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال : ذكر عند عمر الثلث في الوصية، فقال : الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال : لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك.
( فائدة ) ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها» وأخرجاه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أوّل ما ينزع من أمتي» وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم.
قال أبو عمر بن عبد البر : ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب، والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، وما يروى عن أبي بكر، وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه. وقال ابن زيد : الكلالة : الحيّ، والميت جميعاً، وإنما سموا القرابة كلالة ؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، بخلاف الابن، والأب، فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب. وقيل : إن الكلالة مأخوذة من الكلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد، وإعياء. وقال ابن الأعرابي : إن الكلالة بنو العم الأباعد. وبالجملة فمن قرأ :﴿يُورَثُ كلالة﴾ بكسر الراء مشددة، وهو بعض الكوفيين، أو مخففة، وهو الحسن، وأيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ :﴿يُورَثُ﴾ بفتح الراء، وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت، واحتمل أن يكون القرابة. وقد روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والشعبي أن الكلالة ما كان سوى الولد، والوالد من الورثة. قال الطبري : الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده، ووالده، لصحة خبر جابر فقلت : يا رسول الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله ؟ قال :«لا » انتهى. وروي عن عطاء أنه قال : الكلالة المال. قال ابن العربي وهذا قول ضعيف لا وجه له. وقال صاحب الكشاف : إن الكلالة تنطلق على ثلاثة : على من لم يخلف ولداً، ولا والداً، وعلى من ليس بولد، ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. انتهى.
قوله :﴿أَو امرأة﴾ معطوف على رجل مقيد بما قيد به، أي : أو امرأة تورث كلالة. قوله :﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ قرأ سعد بن أبي وقاص من أمّ. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه. قال القرطبي : أجمع العلماء أن الإخوة ها هنا هم الإخوة لأم قال : ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب، والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى :﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين﴾ [النساء: ١٧٦] هم الإخوة لأبوين، أو لأب، وأفرد الضمير في قوله :﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ لأن المراد كل واحد منهما، كما جرت بذلك عادة العرب، إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم، فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفرداً، كما في قوله تعالى :﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] وقوله :﴿يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: ٣٤]. وقد يذكرونه مثنى، كما في قوله :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقد قدمنا في هذا كلاماً أطول من المذكور هنا.
قوله :﴿فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث﴾ الإشارة بقوله :«من ذلك » إلى قوله :﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي : أكثر من الأخ المنفرد، أو الأخت المنفردة بواحد، وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعداً، ذكرين أو أنثيين، أو ذكراً، وأنثى. وقد استدل بذلك على أن الذكر، كالأنثى من الإخوة لأم ؛ لأن الله شرّك بينهم في الثلث، ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى، كما ذكره في البنين، والإخوة لأبوين، أو لأب. قال القرطبي : وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين، أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأمّ، وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للإخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة، ويؤيد هذا حديث :" ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولي رجل ذكر " وهو في الصحيحين، وغيرهما، وقد قررنا دلالة الآية، والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها :«المباحث الدرية في المسألة الحمارية ». وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة، فمن بعدهم معروف.
قوله :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الكلام فيه، كما تقدم. قوله :﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾ أي : يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن يقرّ بشيء ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة. أو يوصي لوارث مطلقاً، أو لغيره بزيادة على الثلث، ولم تجزه الورثة، وهذا القيد أعني قوله :﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾ راجع إلى الوصية، والدين المذكورين، فهو قيد لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له، أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته، فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء، لا الثلث، ولا دونه. قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. انتهى. وهذا القيد أعني عدم الضرار هو قيد لجميع ما تقدّم من الوصية والدين. قال أبو السعود في تفسيره : وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.
قوله :﴿وَصِيَّةً منَ الله﴾ نصب على المصدر، أي : يوصيكم بذلك وصية من الله كقوله :﴿فَرِيضَةً منَ الله﴾ قال ابن عطية : يصح أن يعمل فيها مضار. والمعنى : أن يقع الضرر بها، أو بسببها، فأوقع عليها تجوزاً، فتكون ﴿وصية﴾ على هذا مفعولاً بها ؛ لأن الاسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه منفياً معنى، وقرأ الحسن :" وَصِيَّةً منَ الله " بالجرّ على إضافة اسم الفاعل إليها، كقوله يا سارق الليلة أهل الدار. وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها، فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه.
وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود قال : كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً، فاتبعناه، وجدناه سهلاً، وأنه سئل عن امرأة، وأبوين، فقال : للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي، عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال : إن الأخوين لا يردان الأمّ عن الثلث قال الله :﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان ليس بلسان قومك إخوة، فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه، عن زيد بن ثابت ؛ أنه قال : إن العرب تسمي الأخوين إخوة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، والبيهقي في سننه عن علي قال : إنكم تقرؤون هذه الآية :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأمّ يتوارثون دون بني العلات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿آبائكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ يقول : أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ؛ لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ قال : في الدنيا.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ :«وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمَّ }. وأخرج البيهقي، عن الشعبي قال : ما ورث أحد من أصحاب النبي ﷺ الإخوة لأم مع الجدّ شيئاً قط، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال : قضى عمر أن ميراث الأخوة لأمّ بينهم للذكر مثل الأنثى، قال : ولا أرى عمر قضي بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية التي قال الله :﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وعبد ابن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس قال : الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ :﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾. وقد رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه مرفوعاً. وفي إسناده عمر بن المغيرة أبو حفص المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر : ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم الرازي : هو شيخ. وقال : وعليّ بن المديني : هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير : والصحيح الموقوف. انتهى. ورجال إسناد هذا الموقوف رجال الصحيح، فإن النسائي رواه في سننه، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عنه.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشرّ عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» ثم يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم :﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ إلى قوله :﴿عَذَابٌ مهِينٌ﴾. وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ماجه، عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :«من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة» وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، عن سليمان بن موسى قال : قال رسول الله ﷺ، فذكر نحوه.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص : أن النبي ﷺ أتاه يعوده في مرضه، فقال : إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين ؟ فقال «لا»، قال فالشطر ؟ قال «لا»، قال فالثلث ؟ قال «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل قال : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم : يعني : الوصية. وفي الصحيحين، عن ابن عباس قال : وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ؛ لأن رسول الله ﷺ قال :«الثلث كثير» وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال : ذكر عند عمر الثلث في الوصية، فقال : الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال : لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك.
( فائدة ) ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها» وأخرجاه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أوّل ما ينزع من أمتي» وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم.