الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً اَوِ امْرَأَةٌ ) الآية [ ١٢ ].
" نصب ( كلالة ) على أنه خبر كان عند الأخفش(١)، وإن شئت على الحال يجعل كان بمعنى وقع " ويورث " صفة رجل، وهذا على أن الكلالة هو الميت(٢)، وهو قول البصريين لأنهم يقولون الكلالة الميت الذي لا ولد له(٣)، ولا والد(٤) وقد روي ذلك عن أبي بكر رضي الله عنه(٥)، وكذلك قال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس وجابر ابن زيد(٦)(٧).
قال البصريون : هو كما تقول رجل عقيم : إذا(٨) لم يولد له، مشتق من الإكليل كأن الورثة غير الولد، والولد قد أحاطوا به فحازوا المال.
وقرأ الحسن وأبو رجاء(٩) ( يورِث كلالة ) بكسر الراء جعل الكلالة مفعول به(١٠).
وقرأ بعض الكوفيين ( يورِث كلالة ) بكسر الراء وتشديد نصب كلالة على أنه مفعول بها(١١).
والكلالة في هاتين الروايتين : الورثة أو المال.
وقال أبو عبيدة(١٢) : كلالة أصله مصدر من كلالة النسب إذا أحاط به، والأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة كأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب.
وقد قيل(١٣) : الكلالة الورثة لا ولد فيهم ولا أب وهو قول أهل المدينة وأهل الكوفة، وشاهد هذا القول قراءة الحسن وأبي رجاء المتقدم ذكرهما، ويبعد هذا القول لأجل نصب كلالة لأنه يجب على هذا القول أن ترتفع(١٤) على معنى يورث منه كلالة.
وقال عطاء : الكلالة المال الذي لا يرثه ولد ولا والد(١٥)، وهو قول شاذ، فيكون نصبها على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير : يورث وارثه كلالة(١٦).
وقال ابن زيد : الكلالة الحي والميت الذي لا ولد له ولا والد(١٧).
والكلالة مشتق من الإكليل المنعطف على جبين الملك، ومن الروضة المكللة وهي التي قد حف بها النَوْرُ، وشبه ذلك بالقمر إذا حل بالإكليل وهو منزلة من منازل القمر ذات نجوم، يقال يتكلله النسب إذا أحاط به، وإنما سمي الميت الذي لا ولد له، ولا والد كلالة لأن كل واحد من الولد والوالد(١٨) إذا انفرد يحيط بالميراث كله(١٩).
قوله :( غَيْرَ مُضَارٍّ ) نصب غير على الحال أي : يوصي بها غير مضار(٢٠).
وقرأ الحسن غير مضار وصيةٍ، بالإضافة ولحن(٢١) في ذلك لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر(٢٢)، ووجهه غير مضار بوصية أي : غير مضار بها ورثته في ميراثهم لا يقدر بما ليس ( عليه )(٢٣) ولا يوصي بأكثر من الثلث(٢٤).
و " وصية " نصب على المصدر(٢٥).
وأكثر العلماء على أن الكلالة في أول هذه السورة يراد بها الإخوة [ من الأم والكلالة في آخر السورة يراد بها الاخوة ](٢٦) من الأب والأم.
قوله :( وَلَهُ أَخٌ اَوُ اُخْتٌ ) إنما وحد في أوله وقد تقدم ذكر رجل وامرأة، لأن الاسمين إذا تقدما وعطف أحدهما على الآخر بأو، جاز أن تضيف الخبر إليهما أو لأحدهما، إن شئت أن تقول : من كان عنده غلام أو جارية، فيحسن إليه، وإن شئت : إليها وإن شئت : إليهما(٢٧).
١ - في نصب "كلالة" أربعة أوجه (أ) النصب على أنها خبر كان. (ب) النصب على أنها حال. (ج) النصب على أنها تمييز. (د) النصب على أنها صفة. انظر: معاني الأخفش ١/٤٣٩ ومعاني الزجاج ٢/٢٥، والبيان في غريب الإعراب ١/٢٤٥..
٢ - انظر: إعراب النحاس ١/٤٠٠..
٣ - (أ): لا والده..
٤ - (د): ولا والد له..
٥ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٤..
٦ - هو أبو الشعفاء جابر بن زيد الأزدي البصري توفي ٩٣ هـ تابعي، كان فقيهاً ومقرئاً، متفق على توثيقه، انظر: الحلية ٣/١٨٥، وغاية النهاية ١/١٨٩..
٧ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٤..
٨ - (ج): إذ..
٩ - (ج): أبو رجاء، وأبو رجاء هو عمران بن تميم، ويقال ابن ملحان العطاردي توفي ١٠٥، تابعي كبير كان محدثاً ومقرئاً انظر: تاريخ الثقات ٤/٩٨، والجرح والتعديل ١/١/١٤٤..
١٠ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٣..
١١ - في "يورث" ثلاث قراءات: (أ) يُورَث بفتح الراء بالبناء للمجهول للفعل أورث وهي قراءة الجمهور. (ب) يُورِث بكسر الراء بالبناء للفاعل من فعل أورث وهي قراءة الحسن. (ج) يُورِّث بكسر الراء وتشديدها بالبناء للفاعل من فعل ورّث، وهي قراءة أبي رجاء والحسن والأعمش وعيسى بن عمر وفي القراءتين (ب) (ج) المفعولان محذوفان كأنه قال يورث وارثه مالاً. انظر: المحتسب ١/١٨٢-١٨٣، ومختصر الشواذ ٢٥ ومشكل الإعراب ١/١٩٢ والبيان في غريب الإعراب ١/٢٤٥ والبحر ٣/١٨٩..
١٢ - نسبه مكي إلى أبي عبيدة خطأ، وهو لابن قتيبة كما هو مثبت في تفسير الغريب ١٢١..
١٣ - يعزى لأبي بكر في جامع البيان ٤/٢٨٤..
١٤ - هي قراءة أشار إليها ابن الأنباري أثناء تفصيله لوجوه الإعراب في كلالة. انظر: البيان في غريب الإعراب ١/٢٤٥..
١٥ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٧..
١٦ - انظر: البيان في غريب الإعراب ١/٢٤٥..
١٧ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٦..
١٨ - (أ) الولد..
١٩ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٣، والمفردات ٤/٤٥٥ واللسان (كلل)..
٢٠ - انظر: إعراب النحاس ١/٤٠١ ومشكل الإعراب ١/١٩٢..
٢١ - (د): ونحن وهو تحريف..
٢٢ - (د): انظر: معاني الزجاج ٢/٢٧ والمحتسب ١/١٨٣، ومختصر الشواذ ٢٤..
٢٣ - ساقط من (أ)..
٢٤ - انظر: المحتسب ١/١٨٣، ومختصر الشواذ ٢٤ والمحرر ٤/٤٤ وأحكام القرآن لابن العربي ١/٣٥١..
٢٥ - انظر: إعراب النحاس ١/٤٠١، ومشكل الإعراب ١/١٩٢..
٢٦ - ساقط من (أ)..
٢٧ - انظر: المغني لابن هشام ٦٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى