تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد﴾ إلى آخر ما ذكر فيه يراد الخصوص وإن كان مخرج الخطاب عاما(١) لأن الزوج أو الزوجة إذا لم يكن على دين صاحبه وعلى وصفه لم يجز بينهما التوارث دل أن ليس لأحد الاحتجاج بعموم المخرج على ما ذكرنا في الولد والوالد والأم وغيرهم أنه إذا لم يكن بعضهم على وصف بعض لم يجز بينهما التوارث دل أن عموم مخرج الخطاب لا يدل على عموم المراد.
ثم الآية معطوفة على ما سبق من الآيات لأنها ذكرت بحرف العطف والنسق بقوله :﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد﴾ والربع إن كان لهن ولد ﴿فلكم الربع مما تركن﴾ ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد﴾ والثمن إن كان لكم ولد ﴿فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾.
بين في الآية الأولى ميراث الأب والأم وميراث الأولاد ولم يبين ميراث الأزواج ثم بين في هذا الآية فنسق على الأول دل أن الأزواج والزوجات إذ كانوا معهم فإن الحكم لا يختلف فيهم : يكون للأم ﴿الثلث﴾ إذا لم يكن هنالك( ولد ) (٢) ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدا و﴿السدس﴾ إن كان له ولد أو اثنان من الأخوة والأخوات يكون لها مع هؤلاء ثلث ما بقي حين نسق هذه على الأولى.
وقوله تعالى :﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ اختلف في الكلالة : قال بعضهم الكلالة الميت الذي لا ولد له ولا والد، وعن الحسن رحمه الله عليه أنه قال :( الكلالة الإخوة والأخوات من الأب والأم ) او ( الإخوة والأخوات من الأم ) أو ( الإخوة والأخوات من الأب ) ذهب في ذلك إلى ما ذكر في آية أخرى قوله :﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد أخت فلها نصف / ٨٢- ب/ ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ ( النساء ١٧٦ ) على آخر ما ذكر.
والنصف إنما يكون للأخت من الأب والأم أو الأخت من الأب وذلك تفسير الكلالة دل أنها الإخوة والأخوات من الأب والأم ( أو من الأب )(٣) وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال :( الكلالة ما خلا الولد والوالد )، وروي عن عمر رضي الله عنه انه قال :( أتى زمان وما أدري ما الكلالة ؟ ألا إن الكلالة ما لم يكن له ولد ولا والد ) وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبته { ألا إن الآية التي أنزلها الله تعالى في أول سورة النساء في مثال الفرائض أنزلها في الولد والوالد(٤) والآية الثانية(٥) أنزلها في الزوج والمرأة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة من الأب والأم والآية التي في سورة الأنفال في :{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله } ( الآية ٧٥ ) في ما جرت في الرحم من العصبة ).
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال :( الكلالة اسم يقع على الإخوة من الأب ويقع على الإخوة من الأب والأم ) وهو ما ذكرنا في قول أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنه أن الكلالة ما عدا الولد والوالد فكانوا يذهبون والله أعلم أن الأعمام وبني الأعمام يرجعون في النسب مع الميت إلى جده وقد تكللهم الأب والأم إلا أنهم لما كانوا أبعد في النسب مع الميت إلى جده وقد تكللهم أبو الأم فسبيلهم في ذلك سبيل الإخوة والأخوات الذين تكللهم الأب والأم إلا أنهم لما كانوا أبعد في النسب من الإخوة والأخوات لم يرثوا معهم فأجمعوا أن معنى قوله الله سبحانه وتعالى :﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت﴾ ( النساء ١٧٦ ) في الأخت من الأب والأم ومن الأب إذا مات الرجل ولا ولد له ذكرا أو أنثى تعطى الأخت النصف تسمية.
فقال قوم من الشيعة : الآية تدل على أنه إن ترك ابنة وأختا فإن(٦) المال كله للابنة ولا شيء للأخت لأن الله تعالى جعل لها الميراث إذا لم يكن له ولد فسوى الذكر والأنثى من الأولاد وليس الأمر كما قالوا لأنا إذا جعلنا للابنة النصف وجعلنا ما بقي للأخت فلم نعطها ما أعطيناها بالتسمية.
ألا ترى أنه لو كانتا أختين كان لهما عندنا ما بقي ؟ ولو جعلنا ذلك لهما تسمية أعطيناهما الثلثين لأن الله تعالى جعل ( لهما الثلثين بالتسمية وليس سبيل ما تأخذه الأخت بالتسمية لأنه ينقص فيهما شيئا مما تأخذه من الباقي بغير تسمية.
ألا ترى أن )(٧) الله تعالى جعل للأبوين السدسين مع الولد ؟ فإن كانت ابنة وأبا فلهما النصف وما بقي للأب فقد أعطينا الأب أكثر مما سمي الله تعالى ولكنا لم نعطه الزيادة بالتسمية فلم يلزمنا الخلاف في زيادته.
فإن خالفونا في ذلك نقل(٨) : قد سبق ذلك جواب ما يدل على أن الأب بالباقي أولى من الابنة لذلك لم نذكره في هذا الموضع فإن قال ( قائل ) (٩) الابنة أولى بما زاد على النصف أن الله تعالى قال :{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ( الأنفال ٧٥ ) فكانت الابنة أحق بذلك من غيرها قيل له : إن قول الله تعالى :{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } إنما أوجب أنهم أولى ببعض من الأجنبيين بين ذلك قوله تعالى :﴿من المؤمنين والمهاجرين﴾ ( الأحزاب ٦ ) لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله ذلك وجعل الميراث لذوي القرابة، وليس في الآية دليل أن الغريب أولى بالميراث ممن هو أبعد منه في القرابة.
وقال الله تعالى :﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ ( النساء ١٧٦ ) يقول والله أعلم : الأخ من الأب يرث الأخت المال كله إن لم يكن لها ولد وترث من الأخ النصف إذا كان هو الميت وقال الله عز وجل ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان بما ترك﴾ ( النساء ١٧٦ ) فأجمعوا أن الرجل والمرأة إذا مات أحدهما وترك أخا وأختا فما زاد على ذلك من الذكور والإناث كان الميراث بينهم ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ( النساء ١١ ) فهذا ما نص الله تعالى قال :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ( الأنفال ٧٥ و… ).
فمن زعم أن المال لبيت المال فلم يجعل بعض الأرحام أولى ببعض ( بل الغرباء ( أولى )(١٠) بالميت من أولى الأرحام ) (١١) فكان قول المورثين عندنا أولى وهو قول عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلا زيد بن ثابت رضي الله عنه فإنه جعل ذلك لبيت المال.
فإن قيل : إن قول الله ( سبحانه وتعالى )(١٢) ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ( الأنفال ٧٥ و… ) إنما هو في من سواه الله بهم. ما قيل في الخبر دليل أنه في غير الذين سمى الله لهم سهاما : ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبقي عبيدة بن الجراح قال : قال رسول الله ﷺ : " الله ورسوله ولي من لا ولي له، والخال وارث من لا وارث له " ( الترمذي ٢١٠٣ ) وروي أيضا أن عمر رضي الله عنه قضى للخالة بالثلث والعمة والثلثين، وعن حبيش عن عمر رضي الله عنه أنه قسم الميراث بين العمة والخالة، وعن عبد الله - رضي الله عنه- أنه قال في العمة ( للعمة الثلثان وللخالة الثلث )، فأخذ علماؤنا في ذلك بما روي عن النبي ﷺ، وعن الأجلة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وكان ذلك موافقا لظاهر الآية وعمومها وكان اتباع ذلك عندهم أولى من غيره.
فأما الكلام في العول فإن ابن عباس رضي الله عنه كان ينكره ويقول :( لا تعول الفريضة )، وكان علي رضي الله عنه وعبد الله وزيد بن ثابت يقولون بعول الفرائض وروي عن الحارث ( أنه )(١٣) قال :( ما رأيت أحدا قط أحسب من علي رضي الله عنه آتاه آت فقال : يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وامرأته ؟ قال صار ثمنها تسعا ) وكان ابن عباس رضي الله عنه يكره أن ينقض الأب من السدس وقد يسمي الله تعالى له السدس ثم لم يقض(١٤) على هذا الأصل لأنه قال في الابنتين وأبوين وامرأته ( للمرأة الثمن وللأبوين السدسان وما بقي فللابنتين مما سمى فلم كانتا(١٥) أولى بالنقصان كله من غيرهما ؟ وسائر الصحابة أدخلوا النقصان على كل وارث بقدر نصيبه لئلا يلحق النقصان على أحد ويأخذ البقية كمال نصيبهم، وجعلوا ذلك كقوم أوصى لهم بوصايا تتجاوز الثلث إذا جمعت فالحكم أن يقسم الثلث بينهم بالحصص، وكقوم صح لهم دين على ميت، وتركته لا تفي بذلك فهم جميعا أسوة يلحق كل واحد منهم النقصان بقدر حصته.
وأما الرد فإن عليا رضي الله عنه ( وعبد الله رضي الله عنه ) (١٦) قالا به على اختلافهما في من يرد عليه، و سبيل ذوي الأرحام لأن ذا الرحم بباقي المال أولى من الأجنبيين بقول الله سبحانه وتعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ( الأنفال ٧٥ و… ) فمن لا رحم له فلا حق له غير سهمه، وليس في الزوج والزوجة خلاف، وبيَّن أهل العلم أنه لا يرد عليهما، ولأن في الآية الرد على غيره من أهل السهام، ومنع الرد عليهما لأنه عز وجل ذكر للأبوين السدسين إذا كان /٨٣ –أ/ له ولد، وسمى للأم الثلث ولم يسم للأب شيئا فيرد الباقي عليه، وكذلك سمى الذكور من الأولاد مع الإناث نصيبا بقوله :﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ولم يسم لهم شيئا في حال الانفراد فيرد الكل عليهم، ولم يزل للزوجين ذكر تسمية سهامهما في حال بل ذكر سهامهما في الأحوال كلها : في حال الولد وفي حال الذي لا ولد له فلذلك منع دليل الرد.
وقوله تعالى :﴿غير مضار وصية من الله﴾ ومرة ﴿فريضة من الله﴾ حتى يعلم أنهما واحد، ثم ذكر المضارة في ميراث الإخوة والأخوات ولم يذكر في الولد والوالد والزوج والزوجة فهو والله أعلم يحتمل وجهين : يحتمل أنه ذكر في هذا لأنه بهم ختم المواريث فتكون تلك المضارة، كانت كالمذكورة في الأولاد او الوالدين والأزواج إذ بذلك ختم ويحتمل أنه ذكر هننا المضارة ولم يذكر في ما يذكر في ما ذكرنا لما في الطبع يقصد الرجل إلى مضارة الأخ والأخت ومن بعد منه، ولا يقصد في المتعارف إلى مضارة الآباء والأولاد ومن ذكرنا فإذا جاء النهي في مضارة من يقصد الرجل مضارته فلأن ينهى عنها في ما لا يقصد بالطبع أحق.
ثم بيان المضارة في الوصية ما وري عن رسول الله ﷺ قوله(١٧) : " الثلث والثلث كثير " ( البخاري ٢٧٤٣ ) وقوله : " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون " ( البخاري ٢٧٤٢ ) وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله(١٨) قال رسول الله ﷺ " إن الرجل ليعمل عمل الخير ستين سنة فإذا أوصى خان في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل الشر سنة فيعدل في وصيته فيختم له عمله فيدخل الجنة " ( أحمد ٢/ ٢٧٨ ) ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : اقرؤوا إن شئتم :﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله﴾ إلى قوله ﴿وله عذاب مهين﴾ ( النساء ١٣ و١٤ ) وما روي :( الثلث حيف ) وما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قوله(١٩) :( لا ضرار في الوصية من الكفار ) ثم قرأ :﴿تلك حدود الله﴾ ( النساء ١٤ ) إلى ( آخر ما ) (٢٠) قال في الوصية وقوله عز وجل :﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه﴾ ( البقرة : ١٨٢ ).
ثم الإضرار قد يكون أيضا : إذا أوصى لوارث ولم يوص للباقين لأنه أضر به بالوصية لبعض ورثته الباقين، فلا فرق ( بين أن يضر بعض الورثة وبين )(٢١) أن يضر الورثة كلهم ففيه دليل بطلان الوصية لبعض دون بعض. ثم الإضرار قد يكون بالدين على ما يكون بالوصية لأنه إذا أقر المريض لبعض الورثة بدين فإن إقراره لا يجوز كما لا تجوز وصيته، والإقرار بالدين أحق ألا يجوز من الوصية لأن الإقرار في المرض جوازه بحق الأمانة
١ من م ساقطة من الأصل..
٢ من م ساقطة من الأصل..
٣ ؟؟؟؟؟.
٤ المقصود الآية (١١)..
٥ المقصود الآية (١٢)..
٦ في الأصل و م: أن..
٧ من م ساقطة من الأصل.
٨ في الأصل و م: قيل..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ ساقطة من م..
١١ من م ساقطة من الأصل..
١٢ من م في الأصل تعالى..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ في الأصل و م: يمض..
١٥ في الأصل و م: كانت..
١٦ من م ساقطة من الأصل..
١٧ في الأصل و م: قال..
١٨ في الأصل و م: قال..
١٩ في الأصل و م: قال..
٢٠ في الأصل و م: آخره..
٢١ من م ساقطة من الأصل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى