التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن رغب - سبحانه - فى الصلح بين الزوجين وحض عليه، وأمر الأزواج بالعدل بين لأن الزوجات بالقدر الذى يستطيعونه، عقب ذلك ببيان أن التفرقة بينهما جائزة إذا لم يكن منها بد. لأن التفرقة مع الإِحسان خير من المعاشرة فقال - تعالى - ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ الله وَاسِعاً حَكِيماً﴾.
وإن عز الصلح بين الزوجين واختارا الفراق تخوفا من ترك حقوق الله التى أوجبها على كل واحد منهما ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ﴾ منهما ﴿مِّن سَعَتِهِ﴾ أى يجعل كل واحد منهما مستغنيا عن الآخر ﴿وَكَانَ الله وَاسِعاً حَكِيماً﴾ أى : وكان الله - تعالى - وما يزال واسعا أى واسع الغنى والرحمة والفضل ﴿حَكِيماً﴾ فى جميع أفعاله وأحكامه.
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وضعت أحكم الأسس للحياة الزوجية السليمة، وعالجت أمراضها بالعلاج الشافى الحكيم، فقد أمرت الرجال بأن يؤدوا للنساء حقوقهن، وأن يعاشروهن بالمعروف، وأن على الزوجين إذا ما دب بينهما خلاف أن يعالجاه فيما بينها بالتصالح والتسامح، وإذا اقتضى الأمر أن يتنازل أحدهما للآخر عن جانب من حقوقه فليفعل من أجل الإِبقاء على الحياة الزوجية. وأن الرجل لا يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا كاملا بين زوجاته، ولكن هذا لا يمنعه من العدل بينهن بالقدر الذى يستطيعه بدون تقصير أو ميل مع الهوى، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور. وأنه إذا استحال الصلح وتنافرت الطباع، وساءت العشرة كان الفراق بينهما أجدى، إذ الفراق مع الإِحسان خير من الإِمساك مع المعاشرة السيئة التى عز معها الإِصلاح والوفاق والتقارب بين القلوب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى