البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته﴾ الضمير في يتفرقا عائد على الزوجين المذكورين في قوله :﴿وإن امرأة خافت من بعلها﴾ والمعنى : وإن شح كل منهما ولم يصطلحا وتفرّقا بطلاق، فالله يغني كلاً منهما عن صاحبه بفضله ولطفه في المال والعشرة والسعة.
ووجود المراد والسعة الغنى والمقدرة وهذا وعد بالغنى لكل واحد إذا تفرقا، وهو معروف بمشيئة الله تعالى.
ونسبة الفعل إليهما يدل على أنّ لكل منهما مدخلاً في التفرق، وهو التفرق بالأبدان وتراخي المدة بزوال العصمة، ولا يدل على أنه تفرق بالقول، وهو طلاق لأنه مختص بالزوج، ولا نصيب للمرأة في التفرق القولي، فيسند إليها خلافاً لمن ذهب إلى أنّ التفرق هاهنا هو بالقول وهو الطلاق.
وقرأ زيد بن أفلح : وإن يتفارقا بألف المفاعلة أي : وإن يفارق كل منهما صاحبه.
وهذه الآية نظير قوله تعالى :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ وقول العرب : إن لم يكن وفاق فطلاق.
فنبه تعالى على أنّ لهما أن يتفارقا، كما أنّ لهما أن يصطلحا.
ودل ذلك على الجواز قالوا : وفي قوله تعالى : يغن الله كلاً من سعته إشارة إلى الغنى بالمال.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما فيما رووا طلقة ذوقة فقيل له في ذلك فقال : إني رأيت الله تعالى علق الغنى بأمرين فقال :﴿وأنكحوا الأيامى﴾ الآية، وقال : وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته.
﴿وكان الله واسعاً حكيماً﴾ ناسب ذلك ذكر السعة، لأنه تقدّم من سعته.
والواسع عام في الغنى والقدرة والعلم وسائر الكمالات.
وناسب ذكر وصف الحكمة، وهو وضع الشيء موضع ما يناسب، لأن السعة ما لم تكن معها الحكمة كانت إلى فساد أقرب منها للصلاح قاله الراغب.
وقال ابن عباس : يريد فيما حكم ووعظ.
وقال الكلبي : فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان.
وقال الماتريدي : أو حيث ندب إلى الفرقة عند اختلافهما، وعدم التسوية بينهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبديع فنوناً التجنيس المغاير في : أن يصالحا بينهما صلحاً، وفي : فلا تميلوا كل الميل، وفي : فقد ضل ضلالاً، وفي : كفروا وكفروا.
والتجنيس المماثل في : ويستفتونك ويفتيكم، وفي : صلحاً والصلح، وفي : جامع وجميعاً.
والتكرار في : لفظ النساء، وفي لفظ يتامى، واليتامى، ورسوله، ولفظ الكتاب، وفي آمنوا ثم كفروا، وفي المنافقين.
والتشبيه في : كالمعلقة.
واللفظ المحتمل للضدين في : ترغبون أن تنكحوهن.
والاستعارة في : نشوزاً، وفي : وأحضرت الأنفس الشح، وفي : فلا تميلوا، وفي : قوامين، وفي : وإن تلووا أو تعرضوا، وفي : ازدادوا كفراً ولا ليهديهم سبيلاً، وفي : يتربصون، وفي : فتح من الله، وفي : ألم نستحوذ، وفي : سبيلاً.
وهذه كلها للأجسام استعيرت للمعاني.
والطباق في : غنياً أو فقيراً، وفي : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا واتباع الهوى جور وفي الكافرين والمؤمنين.
والاختصاص في : بما تعملون خبيراً خص العمل.
والالتفات في : وقد نزل عليكم إذا كان الخطاب للمنافقين.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى