جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. .
وهذا تقدّمٌ من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله أن يفعلوا فعل الذين سَعَوا إلى رسول الله ﷺ في أمر بني أبيرق، أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه وذبهم عنهم وتحسينهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر¹ يقول الله لهم :﴿يا أيّها الّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ﴾ يقول : ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط، يعني بالعدل. ﴿شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾ والشهداء : جمع شهيد، ونصبت الشهداء على القطع مما في قوله :«قوّامين »، من ذكر الذين آمنوا، ومعناه : قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، أو حين شهادتكم. ﴿وَلَوْ على أنْفُسِكُمْ﴾ يقول : ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والديكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحقّ، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ فتجوروا، فإن الله الذي سوّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما، وأحقّ منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليها. ﴿فَلا تَتّبِعُوا الهَوَى أنْ تَعْدِلُوا﴾ يقول : فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغنيّ على فقير أو لفقير على غنيّ إلا أحد الفريقين فتقولوا غير الحقّ، ولكن قوموا فيه بالقسط وأدّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله.
فإن قال قائل : وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهد بالقسط، وهل يشهد الشاهد على نفسه ؟ قيل¹ نعم، وذلك أن يكون عليه حقّ لغيره، فيقرّ له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه. وهذه الآية عندي تأديب من الله جلّ ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله ﷺ وشهادتهم لهم عنده بالصلاح، فقال لهم : إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه، فقوموا فيها بالعدل ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، فلا يحملنكم غني من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمة منكم على الشهادة له بالزور ولا على ترك الشهادة عليه بالحقّ وكتمانها. وقد قيل : إنها نزلت تأديبا لرسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن حسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾ قال : نزلت في النبيّ ﷺ، واختصم إليه رجلان غنيّ وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيّ، فأبي الله إلا أن يقوم بالقسط في الغنيّ والفقير، فقال :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أو فَقِيرا فاللّهُ أوْلَى بِهِما فَلا تَتّبِعُوا الهَوَى أنْ تَعْدِلُوا﴾. . . الاَية.
وقال آخرون في ذلك نحو قولنا إنها نزلت في الشهادة أمرا من الله المؤمنين أن يسوّوا في قيامهم بشهاداتهم لمن قاموا بها بين الغني والفقير. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْط شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ على أنْفُسِكُمْ أو الوَالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قال : أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحقّ ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنيا لغناه، ولا يرحموا مسكينا لمسكنته، وذلك قوله :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أوْ فَقِيرا فاللّهُ أوْلى بِهِمَا فَلا تَتّبِعُوا الهَوَى أن تَعْدِلوا﴾ فتذروا الحقّ فتجورُوا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال : كان ذلك فيما مضى من السنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأوّلون في ذلك قول الله :﴿يا أيّها الّذين آمَنُوا كونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ على أنْفُسِكُمْ أوِ الوَالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنيّا أوْ فَقِيرا فاللّهُ أوْلى بِهِما﴾. . . الاَية، فلم يكن يُتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من أقربائهم وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾. . . إلى آخر الاَية، قال : لا يحملك فقر هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة، قال : يقول هذا للشاهد.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾. . . الاَية، هذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه¹ والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يردّ الله من الشديد على الضعيف، من الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحقّ، وبالعدل يصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويردّ المعتدي، ويوبخه تعالى ربنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناس. يا ابن آدم إن يكن غنيا أو فقيرا، فالله أولى بهما، يقول : أولى بغنيكم وفقيركم. قال : وذكر لنا أن نبيّ الله موسى عليه السلام قال : يا ربّ أيّ شيء وضعت في الأرض أقلّ ؟ قال :«العدل أقلّ ما وضعت في الأرض، فلا يمنعك غني عنيّ ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق ». وقال جلّ ثناؤه :﴿فاللّهُ أوْلى بِهِما﴾.
وقد قيل :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أوْ فَقِيرا﴾. . . الاَية، أريد : فالله أولى بغني الغنيّ وفقر الفقير، لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال «بهما »، ولم يقل «به ».
وقال آخرون : إنما قيل «بهما » لأنه قال :﴿إنْ يَكُنْ غَنيّا أوْ فَقِيرا﴾ فلم يقصد فقيرا بعينه ولا غنيا بعينه، وهو مجهول، وإذا كان مجهولاً جاز الردّ عليه بالتوحيد والتثنية والجمع. وذكر قائلوا هذا القول أنه في قراءة أبيّ :«فاللّهُ أوْلى بِهِمْ ».
وقال آخرون :«أو » بمعنى الواو في هذا الموضع.
وقال آخرون : جاز تثنية قوله «بهما »، لأنهما قد ذكرا كما قيل :﴿ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فِلُكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾. وقيل : جاز لأنه أضمر فيه «مَنْ » كأنه قيل : إن يكن من خاصم غنيا أو فقيرا، بمعنى : غنيين أو فقيرين، فالله أولى بهما.
وتأويل قوله¹ ﴿فَلا تَتّبعُوا الهَوَى أنْ تَعْدِلُوا﴾ أي عن الحقّ، فتجوروا بترك إقامة الشهادة بالحقّ. ولو وُجّه إلى أن معناه : فلا تتبعوا أهواء أنفسكم هربا من أن تعدلوا عن الحقّ في إقامة الشهادة بالقسط كان وجها. وقد قيل : معنى ذلك : فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما يقال : لا تتبع هواك لترضي ربك، بمعنى : أنهاك عنه كما ترضي ربك بتركه.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فإنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾.


اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : عني : وإن تلووا أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين على الآخر أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا. ووجهوا معنى الاَية إنها نزلت في الحكام على نحو القول الذي ذكرنا عن السديّ من قوله : إن الاَية نزلت في رسول الله ﷺ، على ما ذكرنا قبل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ قال : هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لَيّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الاَخر.
وقال آخرون : معنى ذلك : وإن تلووا أيها الشهداء في شهاداتكم فتحرّفوها ولا تقيموها، أو تعرضوا عنها فتتركوها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ يقول : إن تلووا بألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾. . . إلى قوله :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ يقول : تلوي لسانك بغير الحقّ، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض الترك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ : أي تبدلّوا الشهادة¹ ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ قال : تكتموها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ قال : بتبديل الشهادة، والإعراض : كتمانها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرضُوا﴾ قال : إن تحرّفوا، أو تتركوا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ قال : تلجلجوا أو تكتموا¹ وهذا في الشهادة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ أما تلووا : فتلوي للشهادة فتحرّفها حتى لا تقيمها¹ وأما «تعرضوا » : فتعرض عنها فتكتمها وتقول : ليس عندي شهادة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد :﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ فتكتموا الشهادة، تلوي : تنقض منها، أو تعرض عنها فتكتمها فتأبي أن تشهد عليه، تقول : أكتم عنه لأنه مسكين أرحمه فتقول : لا أقيم الشهادة عليه، وتقول : هذا غنيّ أبقيه وأرجو ما قَبِله فلا أشهد عليه، فذلك قوله :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أوْ فَقِيرا﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ تحرّفوا ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ : تتركوا.
حدثنا محمد بن عمارة، قال : حدثنا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى