جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. .
وهذا تقدّمٌ من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله أن يفعلوا فعل الذين سَعَوا إلى رسول الله ﷺ في أمر بني أبيرق، أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه وذبهم عنهم وتحسينهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر¹ يقول الله لهم :﴿يا أيّها الّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ﴾ يقول : ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط، يعني بالعدل. ﴿شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾ والشهداء : جمع شهيد، ونصبت الشهداء على القطع مما في قوله :«قوّامين »، من ذكر الذين آمنوا، ومعناه : قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، أو حين شهادتكم. ﴿وَلَوْ على أنْفُسِكُمْ﴾ يقول : ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والديكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحقّ، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ فتجوروا، فإن الله الذي سوّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما، وأحقّ منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليها. ﴿فَلا تَتّبِعُوا الهَوَى أنْ تَعْدِلُوا﴾ يقول : فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغنيّ على فقير أو لفقير على غنيّ إلا أحد الفريقين فتقولوا غير الحقّ، ولكن قوموا فيه بالقسط وأدّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله.
فإن قال قائل : وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهد بالقسط، وهل يشهد الشاهد على نفسه ؟ قيل¹ نعم، وذلك أن يكون عليه حقّ لغيره، فيقرّ له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه. وهذه الآية عندي تأديب من الله جلّ ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله ﷺ وشهادتهم لهم عنده بالصلاح، فقال لهم : إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه، فقوموا فيها بالعدل ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، فلا يحملنكم غني من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمة منكم على الشهادة له بالزور ولا على ترك الشهادة عليه بالحقّ وكتمانها. وقد قيل : إنها نزلت تأديبا لرسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن حسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾ قال : نزلت في النبيّ ﷺ، واختصم إليه رجلان غنيّ وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيّ، فأبي الله إلا أن يقوم بالقسط في الغنيّ والفقير، فقال :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أو فَقِيرا فاللّهُ أوْلَى بِهِما فَلا تَتّبِعُوا الهَوَى أنْ تَعْدِلُوا﴾. . . الاَية.
وقال آخرون في ذلك نحو قولنا إنها نزلت في الشهادة أمرا من الله المؤمنين أن يسوّوا في قيامهم بشهاداتهم لمن قاموا بها بين الغني والفقير. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْط شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ على أنْفُسِكُمْ أو الوَالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قال : أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحقّ ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنيا لغناه، ولا يرحموا مسكينا لمسكنته، وذلك قوله :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أوْ فَقِيرا فاللّهُ أوْلى بِهِمَا فَلا تَتّبِعُوا الهَوَى أن تَعْدِلوا﴾ فتذروا الحقّ فتجورُوا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال : كان ذلك فيما مضى من السنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأوّلون في ذلك قول الله :﴿يا أيّها الّذين آمَنُوا كونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ على أنْفُسِكُمْ أوِ الوَالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنيّا أوْ فَقِيرا فاللّهُ أوْلى بِهِما﴾. . . الاَية، فلم يكن يُتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من أقربائهم وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾. . . إلى آخر الاَية، قال : لا يحملك فقر هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة، قال : يقول هذا للشاهد.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾. . . الاَية، هذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه¹ والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يردّ الله من الشديد على الضعيف، من الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحقّ، وبالعدل يصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويردّ المعتدي، ويوبخه تعالى ربنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناس. يا ابن آدم إن يكن غنيا أو فقيرا، فالله أولى بهما، يقول : أولى بغنيكم وفقيركم. قال : وذكر لنا أن نبيّ الله موسى عليه السلام قال : يا ربّ أيّ شيء وضعت في الأرض أقلّ ؟ قال :«العدل أقلّ ما وضعت في الأرض، فلا يمنعك غني عنيّ ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق ». وقال جلّ ثناؤه :﴿فاللّهُ أوْلى بِهِما﴾.
وقد قيل :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أوْ فَقِيرا﴾. . . الاَية، أريد : فالله أولى بغني الغنيّ وفقر الفقير، لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال «بهما »، ولم يقل «به ».
وقال آخرون : إنما قيل «بهما » لأنه قال :﴿إنْ يَكُنْ غَنيّا أوْ فَقِيرا﴾ فلم يقصد فقيرا بعينه ولا غنيا بعينه، وهو مجهول، وإذا كان مجهولاً جاز الردّ عليه بالتوحيد والتثنية والجمع. وذكر قائلوا هذا القول أنه في قراءة أبيّ :«فاللّهُ أوْلى بِهِمْ ».
وقال آخرون :«أو » بمعنى الواو في هذا الموضع.
وقال آخرون : جاز تثنية قوله «بهما »، لأنهما قد ذكرا كما قيل :﴿ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فِلُكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾. وقيل : جاز لأنه أضمر فيه «مَنْ » كأنه قيل : إن يكن من خاصم غنيا أو فقيرا، بمعنى : غنيين أو فقيرين، فالله أولى بهما.
وتأويل قوله¹ ﴿فَلا تَتّبعُوا الهَوَى أنْ تَعْدِلُوا﴾ أي عن الحقّ، فتجوروا بترك إقامة الشهادة بالحقّ. ولو وُجّه إلى أن معناه : فلا تتبعوا أهواء أنفسكم هربا من أن تعدلوا عن الحقّ في إقامة الشهادة بالقسط كان وجها. وقد قيل : معنى ذلك : فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما يقال : لا تتبع هواك لترضي ربك، بمعنى : أنهاك عنه كما ترضي ربك بتركه.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فإنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : عني : وإن تلووا أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين على الآخر أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا. ووجهوا معنى الاَية إنها نزلت في الحكام على نحو القول الذي ذكرنا عن السديّ من قوله : إن الاَية نزلت في رسول الله ﷺ، على ما ذكرنا قبل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ قال : هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لَيّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الاَخر.
وقال آخرون : معنى ذلك : وإن تلووا أيها الشهداء في شهاداتكم فتحرّفوها ولا تقيموها، أو تعرضوا عنها فتتركوها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ يقول : إن تلووا بألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾. . . إلى قوله :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ يقول : تلوي لسانك بغير الحقّ، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض الترك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ : أي تبدلّوا الشهادة¹ ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ قال : تكتموها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ قال : بتبديل الشهادة، والإعراض : كتمانها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرضُوا﴾ قال : إن تحرّفوا، أو تتركوا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ قال : تلجلجوا أو تكتموا¹ وهذا في الشهادة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ أما تلووا : فتلوي للشهادة فتحرّفها حتى لا تقيمها¹ وأما «تعرضوا » : فتعرض عنها فتكتمها وتقول : ليس عندي شهادة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد :﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ فتكتموا الشهادة، تلوي : تنقض منها، أو تعرض عنها فتكتمها فتأبي أن تشهد عليه، تقول : أكتم عنه لأنه مسكين أرحمه فتقول : لا أقيم الشهادة عليه، وتقول : هذا غنيّ أبقيه وأرجو ما قَبِله فلا أشهد عليه، فذلك قوله :﴿إنْ يَكُنْ غَنِيّا أوْ فَقِيرا﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ تحرّفوا ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ : تتركوا.
حدثنا محمد بن عمارة، قال : حدثنا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وهذا تقدُّم من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله (١) أن يفعلوا فعل الذين سَعَوا إلى رسول الله ﷺ في أمر بني أبيرقٍ أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه، وذَبَّهم عنهم، وتحسينَهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر. يقول الله لهم:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط"، يقول: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط (٢) =يعني: بالعدل="شهداء لله".
* * *
= و"الشهداء" جمع"شهيد". (٣)
* * *
(٢) انظر تفسير"القسط" فيما سلف ٦: ٧٧، ٢٧٠ / ٧: ٥٤١.
(٣) انظر تفسير"شهيد" و"شهداء" فيما سلف من فهارس اللغة.
="ولو على أنفسكم"، يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، (٢) فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحّتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتجوروا. فإن الله الذي سوَّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم، أيها الناس، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل="أولى بهما"، وأحق منكم، (٣) لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما="فلا تتبعوا الهوى أن تَعْدِلوا"، يقول: فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها -لغني على فقير، أو لفقير على غني- إلا أحد الفريقين، فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه.
* * *
فإن قال قائل: وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهدُ بالقسط؟ وهل يشهد الشاهد على نفسه؟ (٤)
قيل: نعم، وذلك أن يكون عليه حق لغيره فيقرّ له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه.
* * *
قال أبو جعفر: وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق= في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا
(٢) في المطبوعة: "أو على والديكم"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) انظر تفسير"أولى" فيما سلف ٦: ٤٩٧.
(٤) في المطبوعة: "وهل يشهد الشاهد"، وفي المخطوطة: "وبما يشهد".
وأرجح أن ما في المطبوعة هو الصواب، لقوله في جوابه"نعم"، وكدت أقرؤها: "وبم يشهد الشاهد"، لولا أن جواب أبي جعفر دل على غير ذلك.
* * *
وقد قيل إنها نزلت تأديبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٦٧٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله"، قال: نزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان: غنيٌّ وفقير، وكان ضِلَعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيَّ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير فقال:"إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا"، الآية.
* * *
وقال آخرون: في ذلك نحو قولنا: إنها نزلت في الشهادة، أمرًا من الله المؤمنين أن يسوُّوا -في قيامهم بشهاداتهم- لمن قاموا بها، (٤) بين الغني والفقير.
(٢) في المطبوعة: "فقوموا فيها بالعدل"، والذي في المخطوطة صواب محض.
(٣) في المطبوعة"فلا يحملنكم"، والجيد ما أثبت من المخطوطة.
(٤) في المطبوعة: "لمن قاموا له بها" زاد"له"، وهي مفسدة للكلام، غمض عليه السياق. وإنما سياق الكلام: أمرًا من الله المؤمنين... لمن قاموا بها" أي: لمن قام من المؤمنين بالشهادة، وذكرها معترضة في كلام آخر، وهو قوله: "في قيامهم بشهاداتهم".
١٠٦٧٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين"، قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحقَّ ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنيًّا لغناه، ولا يرحموا مسكينًا لمسكنته، وذلك قوله:"إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا"، فتذروا الحق، فتجوروا.
١٠٦٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة قال: كان ذلك فيما مضى من السُّنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأولون في ذلك قول الله:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما" الآية، فلم يكن يُتَّهَمُ سلفُ المسلمين الصالحُ في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناسُ بعد ذلك، (١) فظهرت منهم أمور حملت الولاةَ على اتهامهم، فتركت شهادةُ من يتهم، إذا كانت من أقربائهم. وصار ذلك من الولد والوالد، والأخ والزوج والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان. (٢)
١٠٦٨١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" إلى آخر الآية، قال: لا يحملك فقرُ هذا على أن ترحَمه فلا تقيم عليه الشهادة. قال: يقول هذا للشاهد.
(٢) فليت شعري ما كان يقول ابن شهاب لو أدرك زماننا الذي نحن فيه!! نسأل السلامة، ونستهديه في القيام بما أمرنا به في كتابه.
* * *
وقد قيل:"إن يكن غنيًّا أو فقيرًا"، الآية، أريد: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير. لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال:"بهما"، ولم يقل"به".
* * *
وقال آخرون: إنما قيل:"بهما"، لأنه قال:"إن يكن غنيًّا أو فقيرًا"، فلم يقصد فقيرًا بعينه ولا غنيًّا بعينه، وهو مجهول. وإذا كان مجهولا جاز الردُّ منه بالتوحيد والتثنية والجمع. (٣)
* * *
(٢) في المطبوعة: "ويوبخه" والتوبيخ لا معنى له هنا. وفي المخطوطة غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: "رنخ الرجل": ذلَّله. ولو قرئت"يريخه" بالياء لكان صوابًا، يقال: "ضربوا فلانًا حتى ريخوه"، أي أوهنوه وأذلوه. هذا وقتادة السدوسي، كان يكثر في كلامه غريب اللغة.
(٣) في المطبوعة:
| "الرد عليه بالتوحيد | "، والذي أثبت من المخطوطة هو محض الصواب. |
* * *
وقال آخرون:"أو" بمعنى"الواو" في هذا الموضع. (١)
* * *
وقال آخرون: جاز تثنية قوله:"بهما"، لأنهما قد ذكرا، كما قيل.
(وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) [سورة النساء: ١٢].
* * *
وقيل: جاز، لأنه أضمر فيه"مَن"، كأنه قيل: إن يكن مَن خاصم غنيًّا أو فقيرًا= بمعنى: غنيين أو فقيرين="فالله أولى بهما".
* * *
وتأويل قوله:"فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا"، أي: عن الحق، فتجوزوا بترك إقامة الشهادة بالحق. ولو وُجِّه إلى أن معناه: فلا تتَّبعوا أهواء أنفسكم هربًا من أن تعدلوا عن الحق في إقامة الشهادة بالقسط، لكان وجهًا. (٢)
* * *
وقد قيل: معنى ذلك: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا= كما يقال:"لا تتبع هواك لترضيَ ربك"، بمعنى: أنهاك عنه، كما ترضي ربّك بتركه. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: عنى:"وإن تلووا"، أيها الحكام، في الحكم لأحد الخصمين
(٢) في المطبوعة: "كان وجها"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٩١.
ووجهوا معنى الآية إلى أنها نزلت في الحكام، على نحو القول الذي ذكرنا عن السدِّي من قوله: إن الآية نزلت في رسول الله ﷺ على ما ذكرنا قبل. (١)
*ذكر من قال ذلك:
١٠٦٨٣- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله:"وإن تلووا أو تعرضوا"، قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضُه لأحدهما على الآخر. (٢)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن تلووا، أيها الشهداء، في شهاداتكم فتحرِّفوها ولا تقيموها= أو تعرضوا عنها فتتركوها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٦٨٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وإن تلووا أو تعرضوا"، يقول: إن تلووا بألسنتكم بالشهادة، أو تعرضوا عنها.
١٠٦٨٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" إلى قوله:"وإن تلووا أو تعرضوا"، يقول: تلوي
(٢) الأثر: ١٠٦٨٣ -"قابوس بن أبي ظبيان الجنبي"، روى عن أبيه"حصين بن جندب" وآخرين. قال ابن معين: "ثقة، ضعيف الحديث". وقال ابن حبان: "ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المرسل، وأسند الموقوف. وأبوه ثقة". وانظر ما سلف رقم: ٩٧٤٥.
وأبوه: "أبو ظبيان"، هو: "حصين بن جندب". روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود. ثقة، انظر ما سلف رقم: ٩٧٤٥.
١٠٦٨٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"وإن تلووا"، أي تبدّلوا الشهادة="أو تعرضوا"، قال: تكتموها.
١٠٦٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإن تلووا"، قال: بتبديل الشهادة، و"الإعراض" كتمانها.
١٠٦٨٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإن تلووا أو تعرضوا"، قال: إن تحرفوا أو تتركوا.
١٠٦٨٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وإن تلووا أو تعرضوا"، قال: تلجلجوا، أو تكتموا. وهذا في الشهادة.
١٠٦٩٠- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن تلووا أو تعرضوا"، أما"تلووا"، فتلوي للشهادة فتحرفها حتى لا تقيمها= وأما"تعرضوا" فتعرض عنها فتكتمها، وتقول: ليس عندي شهادة!
١٠٦٩١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن تلووا"، فتكتموا الشهادة، يلوى ببعض منها (١) = أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يَشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحَمُه! فيقول: لا أقيم الشهادة عليه. ويقول: هذا غنيٌّ أبقّيه وأرجو ما قِبَله، فلا أشهد عليه! فذلك قوله:"إن يكن غنيًّا أو فقيرًا".
وكان سياق الكلام في المطبوعة بالتاء على معنى الخطاب، "تلوى""تعرض" الخ، فأثبت ما هو في المخطوطة منقوطًا كذلك.
١٠٦٩٣- حدثنا محمد بن عمارة قال، حدثنا حسن بن عطية قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله:"وإن تلووا"، قال: إن تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها="أو تعرضوا"، قال: تتركوها. (٢)
١٠٦٩٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"وإن تلووا أو تعرضوا"، قال: إن تلووا في الشهادة، أن لا تقيمها على وجهها (٣) ="أو تعرضوا"، قال: تكتموا الشهادة.
١٠٦٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثنا شيبان، عن قتادة: أنه كان يقول:"وإن تلووا أو تعرضوا"، يعني: تلجلجوا="أو تعرضوا"، قال: تدعها فلا تشهد.
١٠٦٩٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وإن تلووا أو تعرضوا"، أما"تلووا"، فهو أن يلوي الرجل لسانَه بغير الحق. يعني: في الشهادة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويلُ من تأوله، أنه لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، (٤) وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه. (٥)
(٢) في المطبوعة: "فتتركوها"، والجيد ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "أن لا تقيموها" بالجمع، والذي في المخطوطة حسن جيد.
(٤) في المطبوعة: "لسانه" بغير باء، والصواب من المخطوطة.
(٥) انظر تفسير"اللي" فيما سلف ٦: ٥٣٥-٥٣٧ / ٨: ٤٣٥.
وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه قال:"كونوا قوامين بالقسط شهداء الله"، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء. وأظهر معاني"الشهداء"، ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"وإن تلووا".
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار سوى الكوفة: (وَإِنْ تَلْوُوا) بواوين، من:"لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني دَيْني"= وذلك إذا مطلوه="ليًّا".
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: (وإن تلوا) بواو واحدة.
* * *
ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان:
أحدهما: أن يكون قارئها أراد همز"الواو" لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذْ أسقطه، وبقيت واو واحدة. كأنه أراد:"تَلْؤُوا" ثم حذف الهمز. وإذا عني هذا الوجه، كان معناه معنى من قرأ:"وإن تلووا"، بواوين، غير أنه خالف المعروف من كلام العرب. وذلك أن"الواو" الثانية من قوله:"تلووا" واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصح همزها، ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علَم المعنى الذي له أدخلت"الواو" المحذوفة. (٢)
والوجه الآخر: أن يكون قارئها كذلك، أراد: أن"تلوا" من"الولاية"، فيكون معناه: وأن تلوا أمور الناس وتتركوا. وهذا معنى= إذا وجّه القارئ قراءته على ما وصفنا، إليه= خارج عن معاني أهل التأويل، وما وجّه إليه أصحاب رسول الله صلى
(٢) هذا موضع وهم غريب من مثل أبي جعفر، فإن الهمز في"تلؤوا" على واو الفعل، وهي عين الفعل"لوى"، والحذف بعد طرح الهمزة، واقع بواو الفعل لا بواو الجماعة، وهي أصل، لم تدخل لمعنى. فكيف أخطأ أبو جعفر فظنها واو الجماعة!! وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٩١.
* * *
قال أبو جعفر: فإذْ كان فساد ذلك واضحًا من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا)، بمعنى:"اللي" الذي هو مطل.
* * *
فيكون تأويل الكلام: وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيامُ له بها، فتغيروها وتبدلوا، أو تعرضوا عنها فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دينَ الرجل فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له، (١) كما قال الأعشى:
| يَلْوِينَني دَيْنِي النَّهارَ، وأَقْتَضِي | دَيْنِي إذَا وَقَذَ النُّعَاسُ الرُّقَّدَا (٢) |
وأما تأويل قوله:"فإن الله كان بما تعملون خبيرًا"، فإنه أراد:"فإن الله كان بما تعملون"، من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها، وإعراضكم عنها
(٢) ديوانه: ١٥١، واللسان (لوى) و (وقذ)، من أبيات، جياد أولها فيما قبله:
| وَأَرَى الغَوَانِي حِينَ شِبْتُ هَجَرْنَنِي | أَنْ لا أَكُونَ لَهُنّ مِثْلِيَ أَمْرَدَا |
| إنَّ الغَوَانِي لا يُوَاصِلْنَ امْرَءًا | فَقَدَ الشَّبَابَ، وَقَدْ يَصِلْنَ الأَمْرَدَا |
| بَلْ لَيْتَ شِعْرِي! هَلْ أَعُودَنْ نَاشِئًا | مِثْلِي زُمَيْنَ أَحُلُّ بُرْقَةَ أَنْقَدَا |
| إذْ لِمَّتِي سَوْدَاءُ أَتْبَعُ ظِلَّهَا | دَدَنًا قُعُودَ غَوَايَةٍ أَجْرِي دَدَا |
هذا، ورواية الديوان: "وأجتزى ديني"، يقال: "اجتزي دينه" أي: تقاضاه، ومثله"تجازى دينه". و"وقذه": ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. و"وقذه النعاس" مجاز منه، أي صاروا كأنهم سكارى قد استرخوا وهمدوا من النعاس.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقوله :﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي : ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان ؛ ولهذا قال :﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي : اشهد الحق(٢) ولو عاد ضررها عليك وإذا سُئِلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مَضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه.
وقوله :﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ أي : وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تُراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.
وقوله :﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي : لا ترعاه(٣) لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.
وقوله ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي : فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغْضَة الناس إليكم، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى :﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]
ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة، لما بعثه النبي ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم، فأرادوا أن يُرْشُوه ليرفق بهم، فقال : والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حُبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم. فقالوا :" بهذا قامت السماوات والأرض ". وسيأتي الحديث مسندا في سورة المائدة، إن شاء الله [ تعالى ](٤).
وقوله :﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف :﴿تَلْوُوا﴾ أي : تحرفوا الشهادة وتغيروها، " واللّي " هو : التحريف وتعمد الكذب، قال الله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ] (٥)﴾ [آل عمران: ٧٨]. و " الإعراض " هو : كتمان الشهادة وتركها، قال الله تعالى :﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقال النبي ﷺ :" خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها ". ولهذا توعدهم الله بقوله :﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي : وسيجازيكم بذلك.
٢ في ر: "بالحق"..
٣ في أ: "لا يرضاه"..
٤ زيادة من: أ..
٥ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، أَيْ بِالْعَدْلِ، فَلَا يَعْدِلُوا عَنْهُ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا وَلَا تَأْخُذَهُمْ فِي اللَّهِ (١) لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَصْرِفَهُمْ عَنْهُ صَارِفٌ، وَأَنْ يَكُونُوا مُتَعَاوِنِينَ مُتَسَاعِدِينَ مُتَعَاضِدِينَ مُتَنَاصِرِينَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: لِيَكُنْ أَدَاؤُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ صَحِيحَةً عَادِلَةً حَقًّا، خَالِيَةً مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْكِتْمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ: اشْهَدِ الْحَقَّ (٢) وَلَوْ عَادَ ضَرَرُهَا عَلَيْكَ وَإِذَا سُئِلت عَنِ الْأَمْرِ فَقُلِ الْحَقَّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَضرة عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لِمَنْ أَطَاعَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَضِيقُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ أَيْ: وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى وَالِدَيْكَ وَقَرَابَتِكَ، فَلَا تُراعهم فِيهَا، بَلِ اشْهَدْ بِالْحَقِّ وَإِنَّ عَادَ ضَرَرُهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْحَقَّ حَاكِمٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أَيْ: لَا تَرْعَاهُ (٣) لِغِنَاهِ، وَلَا تُشْفِقْ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ، اللَّهُ يَتَوَلَّاهُمَا، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهِمَا مِنْكَ، وَأَعْلَمُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمَا.
وَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أَيْ: فَلَا يَحْمِلْنَّكُمُ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةُ وبغْضَة النَّاسِ إِلَيْكُمْ، عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِي أُمُورِكُمْ وَشُؤُونِكُمْ، بَلِ الْزَمُوا الْعَدْلَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨]
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُصُ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ ثِمَارَهُمْ وَزَرْعَهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يُرْشُوه لِيَرْفُقَ بِهِمْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ الْخَلْقِ إليَّ، وَلْأَنْتَمْ أَبْغَضُ إليَّ مِنْ أَعْدَادِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَمَا يَحْمِلُنِي حُبي إِيَّاهُ وَبُغْضِي لَكُمْ عَلَى أَلَّا أَعْدِلَ فِيكُمْ. فَقَالُوا: "بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ". وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ مُسْنَدًا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] (٤).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: ﴿تَلْوُوا﴾ أَيْ: تُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ وَتُغَيِّرُوهَا، "وَاللَّيُّ" هُوَ: التَّحْرِيفُ وَتَعَمُّدُ الْكَذِبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (٥)﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧٨]. وَ "الْإِعْرَاضُ" هُوَ: كِتْمَانُ الشَّهَادَةِ وَتَرْكُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٣] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسألها". وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: وسيجازيكم بذلك.
(٢) في ر: "بالحق".
(٣) في أ: "لا يرضاه".
(٤) زيادة من: أ.
(٥) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ْ﴾ والقوَّام صيغة مبالغة، أي : كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، فالقسط في حقوق الله أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته.
والقسط في حقوق الآدميين أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك(١) كما تطلب حقوقك. فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك.
ومن أعظم أنواع القسط القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما، ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب بل على النفس، ولهذا قال :﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ْ﴾ أي : فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل اشهدوا بالحق على من كان.
والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به.
وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله :﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ْ﴾ أي : فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلا والباطل حقا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم.
ولما بيَّن أن الواجب القيام بالقسط نهى عن ما يضاد ذلك، وهو لي اللسان عن الحق في الشهادات وغيرها، وتحريف النطق عن الصواب المقصود من كل وجه، أو من بعض الوجوه، ويدخل في ذلك تحريف الشهادة وعدم تكميلها، أو تأويل الشاهد على أمر آخر، فإن هذا من اللي لأنه الانحراف عن الحق. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا ْ﴾ أي : تتركوا القسط المنوط بكم، كترك الشاهد لشهادته، وترك الحاكم لحكمه الذي يجب عليه القيام به.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ْ﴾ أي : محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض. ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرما، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ والقوَّام صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، فالقسط في حقوق الله أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته.
والقسط في حقوق الآدميين أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك (١) كما تطلب حقوقك. فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك.
ومن أعظم أنواع القسط القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما، ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب بل على النفس، ولهذا قال: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل اشهدوا بالحق على من كان.
والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، -[٢٠٩]- ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به.
وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلا والباطل حقا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم.
ولما بيَّن أن الواجب القيام بالقسط نهى عن ما يضاد ذلك، وهو لي اللسان عن الحق في الشهادات وغيرها، وتحريف النطق عن الصواب المقصود من كل وجه، أو من بعض الوجوه، ويدخل في ذلك تحريف الشهادة وعدم تكميلها، أو تأويل الشاهد على أمر آخر، فإن هذا من اللي لأنه الانحراف عن الحق. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ أي: تتركوا القسط المنوط بكم، كترك الشاهد لشهادته، وترك الحاكم لحكمه الذي يجب عليه القيام به.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض. ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرما، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٥ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- قَوَّامِينَ
- قَائِمِينَ.
- بِالْقِسْطِ
- بِالعَدْلِ.
- تَلْوُوا
- تُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ بِأَلْسِنَتِكُمْ.
- تُعْرِضُوا
- تَتْرُكُوا الشَّهَادَةَ.
إعراب الآية ١٣٥ من سورة النساء
من كتاب: إعراب القرآن
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ابتداء وخبر. وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ أي تشح بما لها فيه من المنفعة.
وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا أي وإن تؤثروا الإحسان والتقوى فتجملوا العشرة. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً وإذا خبّره جازى عليه.
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٩]
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩)وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ قيل: في القسمة واللّين والكسوة وقال الحسن والضحاك: في الحبّ والجماع «١». فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ مصدر، وقال الحسن «٢» والضحاك: ولا تمل إلى الشابّة وتترك الأخرى لا أيمّا فتتزوج ولا ذات زوج. فَتَذَرُوها منصوب لأنه جواب النهي. كَالْمُعَلَّقَةِ الكاف في موضع نصب.
[سورة النساء (٤) : آية ١٣١]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١)وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ عطف على «الذين». أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ في موضع نصب. قال الأخفش: أي بأن تتقوا الله.
[سورة النساء (٤) : آية ١٣٣]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣)إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ شرط وجوابه وَيَأْتِ بِآخَرِينَ عطف على الجواب.
[سورة النساء (٤) : آية ١٣٤]
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)مَنْ كانَ يُرِيدُ في موضع نصب لأنه خبر كان. فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ رفع بالابتداء.
[سورة النساء (٤) : آية ١٣٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥)كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ نعت لقوّامين وإن شئت كان خبرا بعد خبر. وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما في قوامين من ذكر «الذين آمنوا» لأنه يصير المعنى كونوا قوامين بالعدل عند شهادتكم وحين شهادتكم ولم ينصرف لأن فيه ألف
(٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٣١٦.
سبب نزول الآية ١٣٥ من سورة النساء
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
رَوَى أسباط عن السُّدِّيِّ قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، اختصم إليه غني وفقير، وكان ضِلَعُهُ مع الفقير، رأى أن الفقير لا يظلم الغني فأبى الله تعالى، إلا أن يقوم بالقسط في الغنيّ والفقير، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ﴾ حتى بلغ ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾.
القراءات في الآية ١٣٥ من سورة النساء
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
تَلْوُواْ أَوْ
(تَلوُا أو) بضم اللام بعدها واو ساكنة تمد 4 حركات
(تَلُوا أو) بضم اللام بعدها واو ساكنة تمد 6 حركات
(تَلْوُوا أو) بإسكان اللام بعدها واو مضمومة وبعدها واو ساكنة تمد حركتين
(تَلْوُوا أو) بإسكان اللام وبعدها واو مضمومة وبعدها واو ساكنة تمد 3 حركات
(تَلْوُوا أو) بإسكان اللام وبعدها واو مضمومة وبعدها واو ساكنة تمد 4 أو 5 حركات
(تَلْوُوا أو) بإسكان اللام وبعدها واو مضمومة وبعدها واو ساكنة تمد 4 حركات
(تَلْوُوا أو) بلام ساكنة بعدها واو مضمومة وبعدها واو ساكنة تمد 6حركات
الموضوعات القرآنية للآية ١٣٥ من سورة النساء
١٤ موضوعًا تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٣٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٣٤ قولًاعن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: ﴿تلووا﴾: تُحَرِّفوا. و﴿تعرضوا﴾: تتركوا١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وإن تلووا﴾ يقول: تُبَدِّلوا الشهادة، ﴿أو تعرضوا﴾ يقول: تكتموها١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾ قال: أن تلووا في الشهادة: أن لا تقيموها على وجهها، ﴿أو تعرضوا﴾ قال: تكتموا الشهادة١
عن عطية العوفي -من طريق فُضَيْل بن مرزوق- في قوله: ﴿وإن تلووا﴾ قال: إن تُلَجْلِجوا في الشهادة فتُفسدوها، ﴿أو تعرضوا﴾ قال: فتتركوها١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾، قال: تُلَجْلِجوا، أو تكتموا، وهذا في الشهادة١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق شيبان- أنّه كان يقرأ: ﴿وإنْ تَلْوُواْ أوْ تُعْرِضُواْ﴾ بواوين١، يعني: تلجلجوا، ﴿أو تعرضوا﴾ قال: تدعها فلا تشهد٢
عن قتادة بن دِعامة، ومحمد بن السائب الكلبي-من طريق معمر- ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾، قال: تُدخل في شهادتك ما يُبطلها، أو تُعرض عنها فلا تشهد بها١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾، قال: أما ﴿تلووا﴾ فتلوي للشهادة، فتُحَرِّفها حتى لا تقيمها، وأما ﴿تعرضوا﴾ فتعرض عنها، فتكتمها، وتقول: ليس عندي شهادة١
وعن عطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وإن تلووا﴾ يعني: التحريف بالشهادة، يُلَجْلِج بها لسانَه، فلا يُقِيمُها؛ لِيُبْطِل بها شهادتَه، ﴿أو تعرضوا﴾ عنها، فلا تشهدوا بها١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن زيد-: ﴿وإن تلووا﴾ فتكتموا الشهادة، يلوي: يُنقِص منها، أو تعرض عنها، فتكتمها، فيأبى أن يشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنّه مسكين أرحمه، فيقول: لا أقيم الشهادة عليه. ويقول: هذا غنيٌّ أبَقِّيه، وأرجو ما قِبَلَه، فلا أشهد عليه، فذلك قوله: ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا﴾١٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿فإن الله كان بما تعملون﴾، يعني: مِن كتمان الشهادة وإقامتها ﴿خبيرًا﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فإن الله كان بما تعملون﴾ مِن كتمان الشهادة وإقامتها ﴿خبيرا﴾١
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق يونس- في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال: كان ذلك فيما مضى مِن السُّنَّة في سَلَف المسلمين، وكانوا يتأَوَّلون في ذلك قولَ الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾ الآية، فلم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ١ الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمورٌ حَمَلَتِ الوُلاةَ على اتِّهامهم، فتُرِكَتْ شهادةُ مَن يُتَّهَمَ إذا كانت مِن أقربائهم، وصار ذلك مِن الولد، والوالد، والأخ، والزوج، والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: ﴿قوامين بالقسط﴾: قوّامين بالعدل١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين﴾ يعني: قوّالين ﴿بالقسط شهداء لله﴾ يقول سبحانه: أقيموا الشهادة لله بالعدل، ﴿ولو﴾ كانت الشهادة ﴿على أنفسكم أو﴾ على ﴿الوالدين والأقربين﴾١
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾ قال: قوّامين بالشهادة، ﴿ولو على أنفسكم﴾ يقول: على نفسك، ﴿أو الوالدين والأقربين﴾ يقول: على نفسِك، أو على الوالدين والأقربين، قريبًا كان أو بعيدًا، غنيًّا كان أو فقيرًا١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ إلى آخر الآية، قال: لا يَحْمِلُك فقرُ هذا على أن ترحمه، فلا تُقِيم عليه الشهادة. قال: يقول هذا للشاهد١٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿فالله أولى بهما﴾، قال: يعني: أنّ الله أولى بالغني والفقير مِن غيره١
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿فالله أولى بهما﴾، معناه: اللهُ أعلمُ بهما١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد-﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾، يقول: الله أولى بغنيِّكم وفقيركم، ولا يمنعك غِنى غَنِيٍّ ولا فَقْرُ فقيرٍ أن تشهد عليه بما تعلم، فإنّ ذلك مِن الحق. قال: وذُكِرَ لنا: أنّ نبي الله موسى عليه السلام قال: يا رب، أيَّ شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال: العدلُ أقلُّ ما وضعت١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن يكن﴾ أحدُهما ﴿غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾ بالغنيِّ والفقير مِن غيره١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾، قال: فتَذَرُوا الحق، فتَجُورُوا١٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾ يعني: في الشهادات ﴿أن تعدلوا﴾ يعني: عن الحق١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾ في الشهادة والقرابة، واتَّقُوا ﴿أن تعدلوا﴾ عن الحق إلى الهوى١
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾ في الشهادة إذا دُعِيتُم لها أن تقولوا بها وتعدِلُوا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه-في قوله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ الآية، قال: الرجلان يجلِسان عند القاضي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضُه لأحدِ الرجلين على الآخر١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإن تلووا﴾ يعني: ألسنتكم بالشهادة، ﴿أو تعرضوا﴾ عنها١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾، يقول: تَلْوِي لسانَك بغير الحقِّ، وهي اللَّجْلَجَة، فلا يُقِيم الشهادةَ على وجهها. والإعراضُ: التَّرْكُ١
وعن سعيد بن جبير، نحو ذلك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين﴾ الآية، قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحقِّ، ولو على أنفسهم، أو آبائهم، أو أبنائهم، لا يُحابُوا غنيًّا لِغِناه، ولا يرحموا مسكينًا لمسكنته، وذلك قوله: ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾١
عن عبد الله بن عباس: معناه: كونوا قوّامين بالعدل في الشهادة على مَن كانت١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء﴾ يعني: قوّامين بالعدل، ﴿ولو على أنفسكم﴾ يقول: لو كان لأحد عليك حقٌّ، فأقرَرْت به على نفسك، ﴿أو الوالدين والأقربين﴾ يعني: أو على الوالدين والأقربين، فاشهد به عليهم١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: هذا في الشهادة، فأقِم الشهادةَ، يا ابن آدم، ولو على نفسِك، أو الوالدين، والأقربين، أو على ذي قرابتك، وأشراف قومك، فإنّما الشهادة لله، وليست للناس، وإنّ الله تعالى رَضِيَ بالعدل لنفسه والإقساط، والعدلُ ميزانُ الله في الأرض، به يرُدُّ اللهَ مِن الشديد على الضعيف، ومِن الكاذب على الصادق، ومِن المُبْطِل على المُحِقِّ، وبالعدل يُصَدّقُ الصادق، ويُكَذّبُ الكاذب، ويَرُدُّ المعتدي، ويُوَبِّخُه، تعالى ربُّنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناسُ، يا ابن آدم١
نزول الآية
٣ أقوالعن مولًى لابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: لَمّا قدِم النبي ﷺ المدينةَ كانت البقرةُ أوَّلَ سورة نزلت، ثم أردفها النساء. قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قِبَل ابنه، أو ذَوِي رَحِمِه، فيلوي بها لسانَه، أو يكتمها، مما يرى مِن عُسْرَتِه، حتى يُوسِر فيقضي؛ فنزلت: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ حتى ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا﴾١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في الآية، قال: نزلت في النبي ﷺ، اختصم إليه رجلان؛ غنيٌّ، وفقير، فكان ضَلْعُه١ مع الفقير؛ يرى أنّ الفقير لا يظلم الغني، فأبى اللهُ إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير؛ فقال: ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾ الآية٢٣
قال مقاتل بن سليمان: نزلت في رجل كانت عنده شهادة على أبيه، فأمره الله عز وجل أن يُقيمها لله عز وجل، ولا يقول: إنِّي إن شهدت عليه أجْحَفْتُ بماله، وإن كان فقيرًا هَلَك وازداد فقرُه. ويُقال: إنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الشاهد على أبيه أبي قحافة١
وقفات تدبرية في الآية ١٣٥ من سورة النساء
٢٤ وقفةً في هذه الآية
-
-1كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ" لن تتمكن أي عدالة بشرية أن تستوفي منا الحقوق سوى المحكمة التي نؤسسها في ضمائرنا
— عبدالله بلقاسم
-
﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ من براهين المحق أن يكون عدلاً في مدحه عدلًا في ذمه لا يحمله الهوى على نسيان الفضائل.
— عماد الدين الواسطي
-
(فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) من براهين المحق أن يكون عدلًا في مدحه، عدلًا في ذمه، لا يحمله الهوى عند تعذر المقصود على نسيان الفضائل والمناقب!
— عماد الدين الواسطي
-
اختيار صيغة المبالغة (قَوَّامِينَ)؛ دلالة على أنه ينبغي الصبر واحتمال مشقة إقامة العدل في شأن المسلم كله، مع نفسه ومع الآخرين، وأن ذلك لا يتم إلا بالصبر وتوطين النفس على العدل.
— عبدالرحمن بن معاضة الشهري
-
(فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) (النساء: ١٣٥) أكثر ظلم الناس لبعضهم لم يكن حبًا للظلم لذاته، وإنما هو الجهل والهوى!
— سليمان الماجد
-
﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾.. الكاتب المُنصف هو الذي يضع بين يديك كل أوراق القضية ويمنحك الفرصة للحكم.
— عبدالله بلقاسم
-
تطبيقات تدبرية سورة النساء آية:١٣٥
— حازم شومان
-
سلسلة ( ختمة تعارف) سورة النساء آية 135
— حازم شومان
-
القرآن يريد منك أن تكون ثابتا متّسقا؛ لا تُؤثر في أحكامك العلاقات الشخصية (الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) ولا المظاهر (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا)
— طارق مقبل
-
(كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ) جاءت (لو) للمبالغة.. لا يطيق العدل على نفسه إلا نفوس قليلة كبار.. غاية العدل أن تنصف من نفسك
— عبدالله بلقاسم
-
(كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) لن تتمكن أي عدالة بشرية أن تستوفي منا الحقوق سوى المحكمة التي نؤسسها في ضمائرنا
— عبدالله بلقاسم
-
مسألة: قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا) . قال في الأولى: (وإن تحسنوا) وفى الثانية: (وإن تصلحوا) وختم الأولى: (بما تعملون خبيرا) وختم الثانية بقوله: (غفورا) ؟ . جوابه: - أما الأول: فالمراد به أن يتصالحا على مال تبذله المرأة من مهر أو غيره ليطلقها، فإنه خير من دوام العشرة بالنشوز والإعراض، ثم عذر النساء بقوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) ثم قال (وإن تحسنوا معاشرتهن بترك النشوز والإعراض فإنه خبير بذلك فيجازيكم عليه. وعن الثاني: أن العدل بين النساء عزيز ولو حرصتم لأن الميل إلى بعضهن يتعلق بالقلب وهو غير مملوك للإنسان، وإذا كان كذلك فلا تميلوا كل الميل فتصير المرأة كالمعلقة التي لا مزوجة ولا مطلقة، ثم قال: (وإن تصلحوا) معاشرتهن بقدر الإمكان، وتقوموا بحقوقهن المقدور عليها، فإن الله تعالى يتجاوز عما لا تملكونه من الميل بمغفرته ورحمته
— كتاب كشف المعاني / لابن جماعة
و١٢ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
ترجمات معاني الآية ١٣٥ من سورة النساء
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(135) O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allāh, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allāh is more worthy of both.[223] So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
[223]- i.e., more knowledgeable of their best interests. Therefore, adhere to what He has enjoined upon you and testify honestly.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا