اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [ شُهَدَاءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ](١)
في اتِّصال [ هذه ](٢) الآية وُجُوهٌ :
أحدها : لما تقدَّمَ ذكر النِّساء والنُّشُوز، والمُصَالحَةِ بينهُنَّ(٣) وبين الأزْوَاج عَقبه بقيام أدَاءِ حقوق اللَّه - تعالى-، وفي الشَّهَادَةِ إحياء حقوقِ اللَّه ؛ فكأنه قِيل : وإن اشْتغَلْتَ بتحصيلِ شهواتِكَ، كنت لِنَفْسِكَ، لا لِلَّه، [ وإن اشتغَلْتَ بِتحْصِيل مأمُوراتِ اللَّه كنت للَّه، لا لِنَفْسِكَ ](٤)، وهذا المقام أعلَى وأشْرَف، فكانت هَذِه الآية تأكيداً لِمَا تقدَّم من التَّكَالِيفِ.
الثاني : أن اللَّه - تعالى - لمَّا منَع النَّاس عن اقْتِصَارِهم على ثَوَابِ الدُّنْيَا، وأمرهُم أنْ يَطْلُبوا ثواب الآخِرَة، عَقَّبَه بهذه الآيَةِ، وبَيَّنَّ أنَّ كمال سَعَادَة الإنْسَان، في أنْ يكون قولُه وفِعْلُه للَّه، وحركَتهُ للَّه، وسُكُونهُ للَّه ؛ حتى يصير من الَّذِين يكُونُون(٥) في آخِر مَرَاتِب الإنْسَانِيّة، وأوَّل مراتب الملائِكَة، فإذا عَكَس القضيّة، كان(٦) مِثْل البَهِيمَة الَّتِي مُنْتهَى أمْرِها وُجْدَان عَلَفِها والشَّبَع.
الثالث : أنه تقدَّم في هذه السُّورَة تَكَالِيفُ كَثِيرةٌ، فِأمرَ النَّاس بالقِسْط بقوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، وأمرهم بالإشْهَاد عِنْد دَفْع أمْوَال اليَتَامَى إليْهِم، وأمَرَهُم ببَذْلِ النَّفْسِ والمَالِ في سَبيلِ اللَّه، وذكر قِصَّة طعمة بن الأبَيْرِقِ، واجتماع قوْمه على الذَّبِّ عنه [ بالكذب ](٧) والشَّهَادة على اليَهُودي بالبَاطِل، وأمر بالمُصَالَحَة مع الزَّوْجَة، وكلُّ ذلك أمْر من اللَّه لعبادِه بالقِيَام بالقِسْط، والشَّهَادَة [ فيه ](٨) [ للَّه ](٩) على كُلِّ أحَدٍ، فكانت هذه الآيَة كالمُؤكِّد لما تقدَّم من التَّكَالِيفِ.
القَوَّامُ : مُبَالغة من قَائِمٍ، والقِسْط : العَدْل، وهذا أمْر مِنه - تعالى - لجميع المكَلَّفِين، بأن يُبَالغُوا في العَدْل، والاحْتِرَازِ عن الجَوْر والمَيْل.
قوله :" شُهَداءَ لِلَّه " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خَبرٌ ثَانٍ لكان، وفيه خِلاَف تقدَّم ذِكْرهُ.
والثاني : أنه حَالٌ من الضَّمير المُسْتَكِنِّ في :" قوَّامينَ " فالعَامِل فيها :" قوَّامين ".
وقد ردَّ أبو حيَّان [ هذا الوجه : بأنَّه يَلْزَم منه تقييدُ كونهم قوَّامين بحال الشَّهادَةِ، وهم مأمُورُون بذلك مُطْلَقاً ](١٠).
وهذا الردُّ ليْس بِشَيْءٍ ؛ فإن هذا المَعْنَى نَحَا إلَيْه ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - قال : كُونُوا قوَّامِين بالعَدْل في الشَّهَادَة على من كانت(١١)، وهذا هُو مَعْنَى الوَجْه الصَّائِر إلى جَعْل شُهَداء حالاً.
الثالث : أن يكون صِفَة ل " قوَّامين "، ومَعْنَى قوله :" للَّه " أي : لِذَات اللَّه، ولوجْهِه ولمرْضَاتِه، وثَوَابِه.
قوله :﴿وَلَو عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ " لو " هذه تَحْتَمل أنْ تَكُونَ على بَابِها من كَوْنِها حرفاً لما كان سَيَقعُ لوقُوعِ غَيْرِه، وجوابُها مَحْذُوفٌ، أي : ولو كُنْتُم شُهَدَاءَ على أنْفُسكم، لوجب عَلَيْكُم أن تَشْهدوا عليها.
وأجاز أبو حيَّان أن تَكُونَ بمعنى :" إن " الشَّرطِيّة، ويتعلَّق قوله :" عَلَى أنْفُسِكُم " بمحذوفٍ، تقديرُه : وإن كنتم شُهَدَاء على أنْفُسِكم، فكونوا شُهَدَاءَ لله، هذا تَقْدِيرُ الكلام، وحذفُ " كان " بعد " لو " كَثِيرٌ، تقول : ائتِني بِتَمْر، ولو حَشَفاً، أي : وإن كان التَّمْر حشفاً، فأتني به. انتهى.
وهذا لا ضرورةَ تدْعُوا إليه، ومجيءُ " لو " بِمَعْنى :" إنْ " شَيْء أثبته بعضهم على قِلَّة، فلا يَنْبَغي أن يُحْمَل القُرآنُ عليه.
وقال ابْن عَطِيَّة(١٢) :" عَلى أنْفُسِكُم " متعلِّقٌ ب " شهداء ".
قال أبو حيان(١٣) " فإنْ عَنَى ب " شُهَدَاءَ " المَلْفُوظ به، فلا يَصِحُّ، وإن عَنَى به ما قَدَّرْناه نَحْن، فيصِحُّ " يعني : تقديره :" لو " بمعنى :" إنْ " وحَذْفَ " كان "، واسمِها، وخبرها بَعْد " لو "، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَلِيلٌ، فلم يبق إلا أنَّ ابن عَطِيّة يريد " شُهَداءَ " مَحْذُوفةً ؛ كما قَدَّرْتُه لك أولاً، نحو :" ولو كُنْتُم شُهَدَاء " على أنفسكم، لوجَبَ عليْكُم أن تَشْهَدُوا.
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ(١٤) :" ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنفسكُم " فجَعَل " كَان " مُقَدَّرةً وهي تَحْتمِلُ في تَقْدِيره التَّمَام والنُّقْصَان : فإنْ قدَّرْتَها تَامةً، كان قوله " على أنْفُسِكم " متعلِّقاً بنفسِ الشَّهَادة، ويكون المَعْنَى :" ولو وُجِدَتِ الشهادةُ على أنْفُسِكُم " وإن قدَّرْتَها نَاقِصَةً، فيجوزُ أنْ يكون " على أنْفُسِكُم " متعلِّقاً بمَحْذُوفٍ على أنَّه خَبرُهَا، ويجُوز أن يكُون متعلِّقاً بنفس الشَّهادة، وحينئذ يكُون الخَبَر مقدَّراً، والمَعْنَى :" ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنْفُسِكُم موجُودةً " إلا أنَّه يلزمُ مِنْ جَعْلِنا " على أنْفُسِكُم " متعلِّقاً بالشَّهادة، حذفُ المَصْدرِ وإبقاءُ معْمُولِه، وهو قليل أو مُمْتَنِع، وقال أيضاً :" ويجُوز أن يكُون المَعْنَى : وإن كانتِ الشَّهَادة على أنْفُسِكُم ".
ورَدَّ عليه [ أبو حيَّان ](١٥) هَذَيْن الوجْهَيْنِ فقال :" وتقديرُه : ولو كانت الشَّهادة على أنْفُسِكُم ليس بجيِّد ؛ لأن المحْذُوفَ إنما يكون من جِنْس المَلْفُوظ به ؛ ليدلَّ عليه، فإذا قُلْت :" كن مُحْسِناً، ولو لمَنْ أساء إليك "، فالتقدير : ولو كنت مُحْسِناً لمَنْ أساء، ولو قَدَّرْتَه :" ولو كان إحْسَانُك " لم يكن جَيِّداً ؛ لأنك تَحْذِف ما لا دلالة عليه بِلَفْظٍ مُطَابِقٍ ".
وهذا الردُّ لَيْس بشيء، فإن الدِّلالة اللَّفظِيّة موجودةٌ ؛ لاشتراكِ المَحْذُوفِ والمَلْفُوظ به في المَادَّة، ولا يَضُرُّ اختلافُهما في النَّوْع.
وقال في الوجه الثاني :" وهذا لا يجُوز ؛ لأن ما تعلَّق به الظَّرْف كونٌ مقيدٌ، والكونُ المُقَيَّد لا يجُوز حَذْفُه، بل المُطْلَقُ، لو قلت : كَان زَيْد فِيك، تعني : مُحِبّاً فيك، لَمْ يَجُز ".
وهذا الرَدُّ أيضاً لَيْس بِشَيْءٍ ؛ لأنه قصد تَفْسير المَعْنَى، ومبادئُ النَّحْو لا تَخْفَى على آحادِ الطَّلبة، فكيف بِشَيْخِ الصِّنَاعَة.

فصل


شَهَادة الإنْسَان على نَفْسِه لها تَفْسِيران :
أحدُهما : أن يُقِرَّ عَلَى نَفْسه ؛ لأن الإقْرَار كالشَّهَادَةِ في كونه مُوجِباً إلْزَام الحَقِّ.
الثاني : أن يكون المُرَادُ : ولو كَانَت الشَّهَادة وبالاً على أنْفُسِكُم، أو على الوالدين والأقْرَبين، فأقِيمُوها عليْهم، ولا تُحابُوا(١٦) غَنِيّاً لِغِنَاهُ، ولا ترحموا فقيراً لِفَقْرِهِ، وهو قوله :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي : أقِيمُوا على المَشْهُود عليه وإن كان غَنِيّاً وللمَشْهُود له وإن كان فقيراً، فاللَّه أوْلى بِهِمَا منكم، أي : كِلُوا أمْرَهُم إلى اللَّه - تعالى -.
وقال الحَسَن : اللَّه أعْلَم بهما(١٧).
قال القُرْطُبِيُّ(١٨) :" قَوَّامين " بناء مُبَالَغَة، أي : ليتكَرَّر(١٩) منكم القِيَام بالقِسْط وهو العَدْل في شَهَادَتِكُم على أنْفُسِكُم، وشهادة المَرْء على نفْسِه : إقرَارهُ بالحُقُوق عليها، ثم ذكر الوالِدَيْن ؛ لوجوب(٢٠) بِرِّهِما، وعظم قَدْرهِمَا، ثم أتَى بالأقْرَبين ؛ إذْ هُم مَظَنَّة المَودَّة والتَّعَصُّب، وجاءَ الأجْنَبِيُّ الآخر ؛ لأنه أحْرَى أن يَقُوم [ عليه ](٢١) بالقِسْطِ.

فصل


إنما قدَّم الأمْر بالقِيَام بالقسط على [ الأمْر ](٢٢) بالشَّهادة لِوُجُوه :
أحدُهَا : أن أكْثَر النَّاس عادتهم أنَّهم يَأمُرُون غَيْرَهُم بالمَعْرُوفِ، فإذا آل الأمْر إلى أنْفُسِهِم، تركوه(٢٣) حتى إنَّ قُبْحَ القَبِيحِ إذا صَدَر عنهم، كان في مَحَلِّ المُسَامَحَة(٢٤) وأحْسَنَ الحُسْن، إذا صَدَرَ عن غَيْرِهم، كان في مَحَلِّ المُنَازَعة، فاللَّه - تعالى - نبّه في هذه الآية على سُوءِ الطَّريقَة، بأنْ أمره بالقِيَام [ بالقِسْطِ ](٢٥) أوّلاً، ثم أمَرَهُ بالشَّهَادة على غَيْرِه ثَانِياً، تنبيهاً عَلَى أن الطَّرِيقَة الحَسَنة هي(٢٦) أن تكُون مُضَايَقَة الإنْسَان مع نَفْسِه [ فَوْق ](٢٧) مُضايقته مع الغَيْر.
وثانيها : أنَّ القِيام بالقِسْط : هو دَفْع ضَرَر العِقَاب عن النَّفْسِ، وإقَامَة الشَّهَادة، سعي في دَفْع ضَرَر العِقَاب عن الغَيْر، وهو الَّذِي عَلَيْه الحَقُّ، ودفع الضرر عن النَّفْسِ مُقَدَّم على دَفْع الضَّرَر عن(٢٨) الغَيْرِ.
وثالثها : أن القِيَام بالقِسْطِ فعل، والشَّهادة قول [ والفِعْل أقْوى من القَوْل ](٢٩).
فإن قِيل : فقد قدَّم(٣٠) الشَّهادة على القِيام بالقسْطِ في قوله :﴿شَهِدَ اللَّهُ [ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
فالجواب : أنَّ شهادَةَ الله عبارَةٌ عن كونه مُرَاعِياً للعَدْل، ومُبَايِناً للجَوْر، ومعلوم : أنَّه ما لم يكن الإنْسَان كذلك، لم يُقْبَل شَهَادتُهُ على الغَيْر ؛ فلهذا كان الوَاجِبُ في قوله :" شَهِدَ اللَّه " ](٣١) أن يقدِّم(٣٢) تلك الشَّهادة على القِيَامِ بالقِسْطِ، والواجِبُ هُنَا : أن تكُون الشَّهادة متأخِّرَة عن القِيَامِ بالقِسْطِ.
قوله :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ إذا عُطِف ب " أوْ " كان الحُكْمُ في عَوْدِ الضَّمِير، والإخْبَارِ، وغيرهما لأحدِ الشَّيْئَيْن أو الأشياء، ولا يجُوزُ المُطابَقَةُ، تقول :" زَيْد أو عَمْرو أكْرمتهُ " ولو قُلْتَ : أكرمتهُمَا، لم يَجُز، وعلى هذا يُقال : كيف ثَنَّى الضَّمِير في الآية الكَرِيمَةِ، والعطف ب " أو " ؟ لا جَرَم أن النَّحْويِّين اختلَفُوا في الجواب عن ذلك على خَمْسَةِ أوْجُه :
أحدُها : أنَّ الضَّمِير في " بهما " ليس عَائِداً على الغَنِيِّ والفقير المَذْكُورين أولاً، بل على جنْسَي الغني والفَقِير المدلُولِ عليهما بالمَذْكُورَيْن، تقديرُه : وإنْ يكنِ المشهُودُ عليه غَنِيًّا أو فقيراً، فليشْهَد عليه، فاللَّهُ أوْلى بجنْسَي الغنيِّ والفقيرِ ؛ ويَدُلُّ على هذا قِراءة أبَيِّ(٣٣) :" فاللَّه أوْلَى بِهِمْ " أي : بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجِنْسِ على ما قَرَّرته لَك، ويكون قوله :﴿فالله أوْلى بهما﴾ ليس جواباً للشرط، بل جَوابُه م
١ سقط في ب..
٢ سقط في ب..
٣ في أ: بينهم..
٤ سقط في أ..
٥ في أ: يكون..
٦ في أ: لأن..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في ب..
١٠ سقط في أ..
١١ ينظر: البحر المحيط "لأبي حيان" (٣/٣٨٤)..
١٢ ينظر: المحور الوجيز ٢/١٢٢..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٨٤..
١٤ ينظر: الكشاف ١/٥٧٥..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٨٤..
١٦ في ب: تخافوا..
١٧ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٨٩..
١٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٦٣..
١٩ في أ: ليكون..
٢٠ في ب: لوجود..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ في أ: تركن..
٢٤ في ب: المساجد..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ في أ: على..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ في ب: على..
٢٩ سقط في أ..
٣٠ في ب: قد تقدم..
٣١ سقط في ب..
٣٢ ي أ: يقوم..
٣٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٢٣، والبحر المحيط ٣/٣٨٥، والدر المصون ٢/٤٤٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى