جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَىَ هََؤُلآءِ وَلاَ إِلَى هََؤُلآءِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ : مردّدين، وأصل التذبذب : التحرّك والاضطراب، كما قال، النابغة :
| ألَمْ تَرَ أنْ اللّهَ أعْطَاكَ سُورَةً | ترَى كُلّ مَلْكٍ دُوَنها يَتَذبْذَبُ |
حدثنا به محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ، قال :«مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَله الشّاةِ العائِرةِ بَيَنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرّةً وَإلى هَذِهِ مَرّةً، لا تَدْرِي أيّتَهُما تَتْبَعُ ».
وحدثنا به محمد بن المثنى مرّة أخرى عن عبد الوهاب، فوقفه على ابن عمر ولم يرفعه، قال : حدثنا عبد الوهاب مرْتين كذلك.
ثني عمران بن بكار، قال : حدثنا أبو روح، قال : حدثنا ابن عباس، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ، مثله.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿مُذَبْذَبِينَ بينَ ذَلِكَ لا إلى هَؤلاءِ وَلا إلى هَؤُلاءِ﴾ يقول : ليسوا بمشركين فيظهروا الشرك، وليسوا بمؤمنين.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿مُذَبْذَبينَ بينَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ وَلا إلى هَؤُلاءِ﴾ يقول : ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرّحين بالشرك. قال : وذكر لنا أن نبيّ الله عليه الصلاة والسلام كان يضرب مثلاً للمؤمن والمنافق والكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر : أن هلمّ إليّ فإني أخشى عليك ! وناداه المؤمن : أن هلمّ إليّ فإن عندي وعندي ! يحصي له ما عنده. فما زال المنافق يتردّد بينهما حتى أتي عليه الماء فغرّقه، وإن المنافق لم يزل في شكّ وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك. قال : وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ ثاغِيَةٍ بينَ غَنَمَيْنِ رأتْ غَنَما عَلى نَشَزٍ، فَأتَتْها فَلَمْ تُعْرَفْ، ثمّ رأتْ غَنما على نَشَزٍ فَأتَتْها وَشامّتْها فَلَمْ تُعْرَفْ ».
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ قال : المنافقون.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿مُذَبْذَبينَ بينَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ وَلا إلى هُؤلاءِ﴾ يقول : لا إلى أصحاب محمد ﷺ، ولا إلى هؤلاء اليهود.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿مُذَبْذَبِينَ بينَ ذَلِكَ﴾ قال : لم يخلصوا الإيمان فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهل الشرك.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿مذَبْذَبِينَ بينَ ذَلكَ﴾ : بين الإسلام والكفر ﴿لا إلى هَؤُلاءِ وَلا إلى هَؤلاءِ﴾.
وأما قوله :﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ فإنه يعني : من يخذ له الله عن طريق الرشاد وذلك هو الإلام الذي دعا الله إليه عباده، يقول : من يخذ له الله عنه فلم يوفقه له، فلن تجد له يا محمد سبيلاً : يعني طريقا يسلكه إلى الحقّ غيره. وأيّ سبيل يكون له إلى الحقّ غير الإسلام ؟ وقد أخبر الله جل ثناؤه : أنه من يتبع غيره دينا فلن يُقبل منه، ومن أضله الله عنه فقد غوى، فلا هادي له غيره.