البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الذبذبة : الاضطراب بحيث لا يبقى على حال، قاله : ابن عرفة والتردد بين الأمرين.
وقال النابغة :
ألم تر أن الله أعطاك سورةترى كل ملك دونها يتذبذب
وقال آخر :
خيال لأم السلسبيل ودونهامسيرة شهر للبريد المذبذب
بكسر الثانية.
قال ابن جني : أي القلق الذي لا يثبت.
قيل : وأصله الذب، وهو ثلاثي الأصل ضعف فقيل : ذبب، ثم أبدل من أحد المضعفين وهي الباء الثانية ذالاً فقيل ذبذب، وهذا على أصل الكوفيين.
وأما البصريون فهو عندهم رباعي كدحرج.
﴿مذبذبين بين ذلك﴾ أي مقلقين.
قال الزمخشري : ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر يتردّدون بينهما متحيرين، كأنه يذب عن كلا الجانبين أي يذاد فلا يقر في جانب واحد، كما يقال : فلان يرمي به الرحوان، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب، كان المعنى : كلما مال إلى جانب ذب عنه انتهى.
ونسب الذبذبة إلى الشيطان، وأهل السنة يقولون : إنّ هذه الحياة والذبذبة إنما حصلت بإيجاد الله.
وفي الحديث :« مثل المنافق مثل الشاة العابر بين الغنيمن » والإشارة بذلك إلى حالتي الكفر والإيمان كما قال تعالى :
﴿عوان بين ذلك﴾ أي بين البكر والفارض.
وقال ابن عطية : وأشار إليه وإنْ لم يتقدم ذكر الظهور لضمن الكلام له، كما جاء :﴿حتى توارت بالحجاب﴾ و ﴿كل من عليها فان﴾ انتهى وليس كما ذكر، بل تقدم ما تصح إليه الإشارة من المصدرين اللذين دل عليهما ذكر الكافرين والمؤمنين، فهو من باب : إذا نهى السفيه جرى إليه.
وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد : مذبذبين بكسر الذال الثانية، جعلاه اسم فاعل أي مذبذبين أنفسهم أو دينهم، أو بمعنى متذبذبين كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى.
وقرأ أُبي : متذبذبين اسم فاعل من تذبذب أي اضطرب، وكذا في مصحف عبد الله.
وقرأ الحسن : مذبذبين بفتح الميم والذالين.
قال ابن عطية : وهي قراءة مردودة انتهى.
والحسن البصري من أفصح الناس يحتج بكلامه، فلا ينبغي أن ترد قراءته، ولها وجه في العربية، وهو أنه أتبع حركة الميم بحركة الذال، وإذا كانوا قد أتبعوا حركة الميم بحركة عين الكلمة في مثل منتن وبينهما حاجز فلان يتبعوا بغير حاجز أولى، وكذلك اتبعوا حركة عين منفعل بحركة اللام في حالة الرفع فقالوا : منحدر، وهذا أولى لأن حركة الإعراب ليست ثابتة خلاف حركة الذال، وهذا كله توجيه شذوذ.
وعلى تقدير صحة النقل عن الحسن أنه قرأ بفتح الميم.
وقرأ أبو جعفر : مدبدبين بالدال غير معجمة، كأن المعنى : أخذتهم تارة بدبة، وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة.
والدبة الطريقة، وهي في حديث ابن عباس :« اتبعوا دبة قريش، ولا تفارقوا الجماعة » ويقال : دعني ودبتي، أي طريقتي وسجيتي.
قال الشاعر :
طها هذريان قل تغميض عينهعلى دبة مثل الخنيق المرعبل
وانتصاب مذبذبين على الحال من فاعل يراؤون، أو فاعل ولا يذكرون.
وقال الزمخشري : مذبذبين : إمّا حال من قوله : ولا يذكرون عن واو يراؤونهم، أي يراؤونهم غير ذاكرين مذبذبين.
أو منصوب على الذم.
﴿لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ والمراد بأحد المشار إليهم المؤمنون، وبالآخر الكافرون.
والمعنى : لا يعتقدون الإيمان فيعدوا من المؤمنين، ولم يقيموا على إظهار الكفر فيعدوا مع الكافرين.
ويتعلق إلى بمحذوف تقديره : ولا منسوبين إلى هؤلاء، وهو موضع الحال.
﴿ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً﴾ أي فلن تجد لهدايته سبيلاً، أو فلن تجد سبيلاً إلى هدايته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبديع.
فمنها التجنيس المغاير في : يخادعون وخادعهم، وشكرتم وشاكراً.
والمماثل في : وإذا قاموا.
والتكرار في : اسم الله، وفي : هؤلاء وهؤلاء، وفي : ويرون ويريدون، وفي : الكافرين والكافرين، وفي : أهل الكتاب وكتاباً، وفي : بميثاقهم وميثاقاً.
والطباق في : الكافرين والمؤمنين، وفي : إن تبدوا أو تخفوه، وفي : نؤمن ونكفر، والاختصاص في : إلى الصلاة، وفي : الدرك الأسفل، وفي : الجهر بالسوء.
والإشارة في مواضع.
الاستعارة في : يخادعون الله وهو خادعهم استعار اسم الخداع للمجازاة وفي : سبيلاً، وفي سلطاناً لقيام الحجة والدرك الأسفل لانخفاض طبقاتهم في النار، واعتصموا للالتجاء، وفي : أن يفرقوا، وفي : ولم يفرّقوا وهو حقيقة في الأجسام استعير للمعاني، وفي : سلطاناً استعير للحجة، وفي : غلف وبل طبع الله.
وزيادة الحرف لمعنى في : فبما نقضهم، وإسناد الفعل إلى غير فاعله في : فأخذتهم الصاعقة وجاءتهم البينات وإلى الراضي به وفي : وقتلهم الأنبياء، وفي : وقولهم على مريم بهتاناً وقولهم إنا قتلنا المسيح.
وحسن النسق في : فبما نقضهم ميثاقهم والمعاطيف عليه حيث نسقت بالواو التي تدل على الجميع فقط.
وبين هذه الأشياء أعصار متباعدة فشرك أوائلهم وأواخرهم لعمل أولئك ورضا هؤلاء.
وإطلاق اسم كل على بعض وفي : كفرهم بآيات الله وهو القرآن والإنجيل ولم يكفروا بشيء من الكتب إلا بهما وفي قولهم إنا قتلنا ولم يقل ذلك إلا بعضهم.
والتعريض في رسول الله إذا قلنا أنه من كلامهم.
والتوجيه في غلف من احتمال المصدر جمع غلاف أو جمع أغلف.
وعود الضمير على غير مذكور وهو في ليؤمنن به قبل موته على من جعلهما لغير عيسى.
والنقل من صيغة فاعل إلى فعيل في شهيد.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى