فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك﴾ المذبذب المتردد بين أمرين، والذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب، ومنه قول النابغة :
ألم تر أن الله أعطاك سورةترى كل ملك دونها يتذبذب
قال ابن جني : المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال، فهؤلاء المنافقون متردّدون بين المؤمنين، والمشركين، لا مخلصين الإيمان، ولا مصرّحين بالكفر. قال في الكشاف : وحقيقة المذبذب الذي يذبّ عن كلا الجانبين، أي : يذاد، ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد، كما يقال : فلان يرمى به الرجوان، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذبّ ؛ كأن المعنى : كلما مال إلى جانب ذبّ عنه. انتهى. وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية، وفي حرف أبي «متذبذبين » وقرأ الحسن بفتح الميم والذالين، وانتصاب ﴿مذبذبين﴾ إما على الحال، أو على الذمّ، والإشارة بقوله ﴿بين ذلك﴾ إلى الإيمان والكفر. قوله :﴿لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء﴾ أي : لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، ومحل الجملة النصب على الحال، أو على البدل من مذبذبين، أو على التفسير له ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله﴾ أي : يخذله، ويسلبه التوفيق ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي : طريقاً يوصله إلى الحق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن في قوله :﴿إِنَّ المنافقين يخادعون الله﴾ الآية، قال : يلقي على كل مؤمن، ومنافق نور يمشون به يوم القيامة حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفىء نور المنافقين، ومضى المؤمنون بنورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وأخرج ابن جرير عن السديّ نحوه. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، وسعيد بن جبير نحوه أيضاً.
ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير، فإن مثله لا ينقل إلا عن النبيّ ﷺ. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق، وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام، فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿مذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك﴾ قال : هم المنافقون :﴿لاَ إلى هَؤُلاء﴾ يقول : لا إلى أصحاب محمد ﴿وَلاَ إِلَى هَؤُلاء﴾ اليهود، وثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ :«إن مثل المنافق مثل الشاة الغائرة بين الغنمين تغير إلى هذه مرّة وإلى هذه مرّة فلا تدري أيهما تتبع ؟» وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مبِيناً﴾ قال : إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول عذراً مبيناً. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : كل سلطان في القرآن، فهو حجة. والله سبحانه أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود في قوله :﴿إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ قال : في توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ مبهمة عليهم : أي : مغلقة لا يهتدي لمكان فتحها. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ابن مسعود نحوه أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿ما يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ﴾ الآية، قال : إن الله لا يعذّب شاكراً ولا مؤمناً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى