الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ فبنقضهم. و ( ما ) مزيدة للتوكيد.
فإن قلت : بم تعلقت الباء ؟ وما معنى التوكيد ؟ قلت : إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل : فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله :﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ على أنّ قوله :﴿فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ﴾ [النساء: ١٦٠] بدل من قوله :﴿فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم﴾ وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.
فإن قلت : هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله :﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا﴾ فيكون التقدير : فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم. قلت : لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله :﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ردّ وإنكار لقولهم :﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم :( قلوبنا غلف ) أن الله خلق قلوبنا غلفاً، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا :﴿لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم﴾ [الزخرف: ٢٠] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم : بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله.
فإن قلت : علام عطف قوله :﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قلت : الوجه أن يعطف على ( فبما نقضهم ) ويجعل قوله :﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ كلاماً تبع قوله :﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ على وجه الاستطراد، يجوز عطفه على ما يليه من قوله :( بكفرهم ).
فإن قلت : ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله :﴿وَكُفْرِهِم بئايات الله﴾.
فإن قلت : بم تعلقت الباء ؟ وما معنى التوكيد ؟ قلت : إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل : فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله :﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ على أنّ قوله :﴿فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ﴾ [النساء: ١٦٠] بدل من قوله :﴿فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم﴾ وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.
فإن قلت : هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله :﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا﴾ فيكون التقدير : فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم. قلت : لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله :﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ردّ وإنكار لقولهم :﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم :( قلوبنا غلف ) أن الله خلق قلوبنا غلفاً، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا :﴿لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم﴾ [الزخرف: ٢٠] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم : بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله.
فإن قلت : علام عطف قوله :﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قلت : الوجه أن يعطف على ( فبما نقضهم ) ويجعل قوله :﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ كلاماً تبع قوله :﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ على وجه الاستطراد، يجوز عطفه على ما يليه من قوله :( بكفرهم ).
فإن قلت : ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله :﴿وَكُفْرِهِم بئايات الله﴾.